إن التعليم المبكر عالي الجودة للإطفال هو من القضايا النادرة التي توحد جميع الفئات الاجتماعية والتوجهات السياسية ولكن هذا الإجماع على الفوائد - بالنسبة للإطفال والمجتمع -لا يشمل التنفيذ والتمويل. إن الأخبار الطيبة هي أنه مع تنفيذ مجموعة مذهلة من النماذج الجديدة فإن الدروس الجديدة تظهر عن كيفية تشكيل وتمويل وتقييم برامج التعليم المبكر المستقبلية.
ومن أجل فهم ما التي تحاول تلك النماذج تحقيقه فإن من المفيد النظر في العلم الذي يكمن وراءها. إن من الواضح بشكل متزايد بإن السنوات المبكرة من العمر هي حيوية لتنمية الدماغ حيث تحدث من 700 إلى ألف من الوصلات العصبية الجديدة كل ثانية خلال السنوات الثلاث الأولى من العمر. إن عدد الكلمات التي يسمعها الطفل خلال تلك الفترة المهمة للغاية لها تأثير كبير على قدراته العقلية المستقبلية.
لكنّ هناك تناقضاً كبيراً بين عدد الكلمات التي يسمعها أطفال الآباء المهنيين وأولئك الذين ينتمون لعائلات الطبقة العاملة - ثلاثة ملايين سنوياً في الولايات المتحدة الأميركية - وبينما تمتلك العائلات مرتفعة الدخل 12 كتاباً لكل طفل فإن أكثر من نصف مراكز الرعاية النهارية للإطفال من ذوي الدخل المحدود لا تمتلك كتاباً واحداً.
تساعد بعض البرامج في تحقيق بعض المساواة فعلى سبيل المثال هناك مبادرة في الولايات المتحدة الأميركية يطلق عليها أول 5 كاليفورنيا وهي تمول برامج لتثقيف الآباء والأجداد ومقدمي الرعاية والمعلمين فيما يتعلق بالدور الحاسم الذي يلعبونه خلال السنوات الخمس الأولى من عمر الطفل..
فالأطفال كما تشير المعطيات يحتاجون للمدرسة كذلك وفي البلدان الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية فإن الطلاب الذين التحقوا بمرحلة ما قبل المدرسة لمدة سنة أو أكثر حققوا نتائج أفضل بكثير (30 نقطة) في برنامجها المتعلق باختبارات القراءة الدولية لتقييم الطلبة مقارنة بأولئك الذين لم يلتحقوا.
إن مثل هذه البيانات قد شجعت على ظهور عدد من المبادرات لتحسين التعليم المبكر، ففي سنة 2014 قامت المملكة المتحدة بتوسيع الدعم الحكومي للعائلات التي تجني أقل من 16190 جنيهاً إسترلينياً ( 23648 دولاراً أميركياً) سنوياً من إجل تمكين الطلبة الذين يبلغون سنتين من العمر من تلقي 15 ساعة من التعليم إسبوعياً لمدة 38 إسبوعاً بالسنة..
واليوم فإن حوالي ثلاثة أرباع الأطفال الذين يبلغون سنتين من العمر مسجلين في مرحلة ما قبل المدرسة مما يعطي أمهاتهم الفرصة للعمل أو الدراسة.
لقد شكل الرابط بين التعليم والصحة المزيد من البرامج. إن مفوضية مبادرة أول 5 كاليفورنيا (والتي تأسست بفضل ضريبة التبغ ) قد حفزت مجموعة من أطباء الأطفال - وهي المجموعة التي يميل الآباء للثقة بها -على مساعدة الآباء في فهم أهمية الانخراط مع أطفالهم بطرق تحسن صحتهم وتطور مداركهم.
لقد تم تطبيق مبادرات مهمة كذلك على المستوى البلدي فلقد قامت بلدية سان أنتونيو في تكساس بجعل الاستثمار في التعليم المبكر أولوية وبالنسبة لمدينة يقودها الديمقراطيون في ولاية يهيمن عليها الجمهوريون، فلقد كان من الضروري التوصل لاتفاقية يتفق عليها الحزبان حيث تم تحقيق ذلك بفضل جهود العمدة السابق جوليان كاسترو والحاكم كريغ آبوت.
إن برنامج التعليم المبكر لمدينة نيويورك هو ربما الأضخم في أميركا حيث يلتحق أكثر من 65 ألف طفل في مرحلة ما قبل المدرسة بتكلفة سنوية تتجاوز 300 مليون دولار أميركي. إن نوعية التعليم مهمة كذلك حيث يوجد هناك ثلاثة متقدمين مؤهلين لكل وظيفة تعليمية..
ولكن يشير النقاد إلى وجود مشكلة في البرنامج وتلك المشكلة تتمثل في معدلات الالتحاق المنخفضة للإطفال من المناطق الأفقر ونظراً لإن الأطفال الأقل حظاً هم الأكثر استفادة من التعليم المبكر للإطفال فإن هذه تعتبر مشكلة كبيرة.
إن ولاية يوتاه تتعامل مع تحدي عدم التحاق الطلاب من ذوي الدخل المحدود بالمدرسة فلقد أبرمت لأول مرة في أميركا عقود تدعى عقود الدفع من أجل النجاح (وتعرف كذلك باسم سند التأثير الاجتماعي) من أجل تحسين التعليم المبكر في المجتمعات التي لديها احتياجات كثيرة.
لقد مولت مؤسسات غولدمان ساكس وجي بي بريتزكير البرنامج باستثمارات تصل لمبلغ 7 ملايين دولار أميركي حيث سيتم سداد تلك الاستثمارات عن طريق التوفير المستقبلي ولقد حقق البرنامج نتائج أولية واعدة مما أدى إلى التسريع في توسيع البرنامج ليشمل المزيد من الأطفال.
إن من المبادرات الأكثر طموحاً التي يتم تنفيذها اليوم في الولايات المتحدة الإميركية هي مبادرة «رفع المعنويات» في مقاطعة سان ماتيو في كاليفورنيا والتي تهدف للتحقق من أن جميع الأطفال في المقاطعة يستطيعون القراءة بمستوى الصف وذلك عند وصولهم للصف الثالث على أبعد تقدير (المعدل الحالي هو 43%).
يركز البرنامج على بناء القدرات للتعليم المبكر وتحسين الدعم للإطفال الذين يحتاجون لمساعدة أكثر. لقد أطلقت مبادرة رفع المعنويات من خلال تحالف واسع من قادة البلاد وتم تمويلها من خلال ضرائب المبيعات والمنح الفيدرالية والتبرعات الخيرية وعليه تمكنت هذه المبادرة من جمع مبلغ 28 مليون دولار أميركي واشتركت فيها أكثر من 200 منظمة.
إن من الواضح أنه لا يوجد نقص في عدد النماذج المتوفرة لتحسين التعليم المبكر ونظراً للمنفعة الاقتصادية لذلك ناهيك عن الرغبة الواضحة للمواطنين في الاستثمار فيه فإن الهدف الآن هو معرفة النموذج الناجح وتطويعه ليناسب الظروف المختلفة.
* أستاذة في كلية هاس للاقتصاد في جامعة كاليفورنيا، بيركيلي وكبيرة المستشارين في مجموعة روك كريك
** زميل تنفيذي في معهد بريسيديو وهو مدير سابق في مككينسي وشركاه بناء القدرات للتعليم المبكر وتحسين الدعم للأطفال