نشرت صحيفة بيلد الألمانية الشعبية مؤخراً مقالاً يتعلق بوثيقة سرية، تكشف كيف أن المناطق الانفصالية في شرقي أوكرانيا «يتم التعامل معها كونها جزءاً من المناطق السيادية الروسية». إن هذا الكشف يسلط الأضواء مجدداً على مفاوضات مينسك 2 للسلام، التي تعكس الإحباط، الذي تشعر به الحكومة الأوكرانية.

إن الوثيقة التي حصلت عليها صحيفة بيلد هي عبارة عن تقرير من اجتماع حصل في أكتوبر الماضي للجنة الوزارية الروسية المشتركة، لتوفير المساعدات الإنسانية للمناطق المتضررة في جنوب شرقي مناطق دونستيك ولوهانسك. لقد وصفت الوثيقة كيف أن الحضور في الاجتماع لم يركزوا فقط على المساعدة الإنسانية، بل تصرفوا كونهم حكومة ظل. لقد تم تأسيس مجموعات عمل متعاونة مع السلطات الروسية لإدارة الأمور المالية والسياسات الاقتصادية والطاقة المتعلقة بالمنطقة، إضافة إلى البنية التحتية للنقل والتجارة.

إن من الملاحظ أن الاجتماع حصل تحت العين الساهرة لأربعة من أفراد الشرطة السرية الروسية، وبرئاسة السياسي الروسي سيرجي نازاروف. إن الرؤساء الصوريين لجمهوريات دونيتسك ولوهانسك الشعبية لم يكونوا حاضرين. لقد كان الأوكراني الوحيد الحاضر هو ممثل شركة «دي تي ي ك» العملاقة للطاقة، التي يمتلكها رينات اخمتوف وهو أغنى أوليجاركي في البلاد.

إن الموقف التفاوضي الرسمي للكرملين هو أنه يريد أوكرانيا موحدة تعطي الجمهوريات الانفصالية حكماً ذاتياً موسعاً، والحق باستخدام الفيتو ضد أية تشريعات وطنية، وهذا يتطلب أن تعدل أوكرانيا دستورها،من أجل منح وضع خاص للمناطق الانفصالية، وهذا يعد تغييراً للتركيبة الأساسية للبلاد، الذي من غير المرجح أن يكون مقبولاً من الناحية السياسية بعد مصرع نحو 10000 شخص. لقد تعهد الكرملين مقابل ذلك بدعم - ولكن فقط بعد تغيير الدستور- الحكومة الوطنية الأوكرانية في إعادة فرض سيطرتها على تلك المناطق إضافة إلى حدودها مع روسيا.

نظرياً تجري المفاوضات بين الحكومة في كييف وقادة المناطق الانفصالية. يضغط الاتحاد الأوروبي على جميع الأطراف بما فيها روسيا، حيث يقترح إمكانية رفع العقوبات كونها مكافأة حتمية لقيام الكرملين بدعم جهود السلام.

لقد عرضت روسيا استخدام ما تطلق عليه «نفوذها المحدود» ،من أجل إقناع الحكومات الثورية بالتعاون، لكن لو كانت روسيا تتحكم فعلياً بالمناطق الانفصالية وتنشط في دمجها بالاقتصاد الروسي، كما توحي بذلك الوثيقة التي حصلت عليها صحيفة بيلد فإنه لم يعد من الممكن اعتبار الكرملين على أنه طرف خارجي يحاول التأثير على حليف غير متعاون، وعوضاً عن ذلك سيكون من الواضح أن قادة المناطق الانفصالية هم في أفضل الأحوال دمى وأن الأطراف الحقيقية في المفاوضات هما روسيا وأوكرانيا.

إن هذا لا يعتبر مفاجئاً للمسؤولين في كييف، الذين طالما أكدوا أن السلطات الانفصالية التي من المفترض أن يتوصلوا لاتفاق معها تتلقى الأوامر من رؤساها في روسيا، ولكن من الممكن أن يكون لذلك تأثير مهم على موقف المسؤولين الأوروبيين، الذين يحاولون تسهيل العملية.

لقد سلطت روسيا الأضواء على تردد حكومة كييف في تطبيق شروط مينسك 2 من أجل الوقيعة بين أوكرانيا وأوروبا. إن رسالة الكرملين هي أن أوكرانيا دولة فاشلة غير قادرة على تطبيق اتفاقية وافقت عليها، وطبقاً لهذا الطرح فإن المشكلة هي الفشل السياسي لأوكرانيا، بينما روسيا تُعتبر صانعاً بريئاً للسلام تعاني من عقوبات لا تستحقها.

إن ما كشفت عنه صحيفة بيلد يشكك في الطرح الروسي، لذا من المتوقع أن يطعن الكرملين في صحة الوثيقة أو أن يجادل بأنه قد تم تفسيرها بشكل خاطئ. إن من المرجح أن يجادل الكرملين بأن توفير المساعدة الإنسانية لدونباس هي مهمة كبيرة تتطلب مساهمة وزارات ووكالات مختلفة، بما في ذلك الشرطة السرية الروسية. وسيجادل المدافعون كذلك أن صحيفة بيلد هي في جيب الجناح اليميني، الذي يمثل المصالح الألمانية المعادية لروسيا وبأن الصحيفة هي فقط صحيفة شعبية، ويجب ألا تؤخذ على محمل الجد، لكن صحيفة بيلد قد أثبتت بالفعل أنه بإمكانها القيام بعمل استقصائي مثل كشفها عن قيام روسيا بدعم اقتصاد منطقة دونباس بعد انفصالها، بما في ذلك دفع الرواتب والرواتب التقاعدية وتمويل جهود خلق الوظائف كما يبدو أن الصحافيين في بيلد قد فعلوا ما بوسعهم للتأكد من صحة الملاحظات من الاجتماع حتى لو لم يستطيعوا نشرها بالكامل، خوفاً من الكشف عن مصدرهم، وعلى الرغم من رغبة روسيا في نفي ما كشفت عنه الصحيفة، إلا أنه من الصعب إنكار أبعاد ما كشفت عنه بيلد.

* زميل باحث في مؤسسة هوفر وباحث مشارك في المعهد الألماني للأبحاث الاقتصادية في برلين وأستاذ في جامعة هيوستن.