عندما يتعلق الأمر باتساع فجوة التفاوت الاقتصادي منذ سبعينيات القرن العشرين في الولايات المتحدة وبعض الاقتصادات المتقدمة، فليس من المهم حقاً أي مقاييس توزيع الدخل نختار؛ فجميعها تُظهِر الزيادة. ورغم اقتراح العديد من التفسيرات المتنافسة، فنحن لسنا في احتياج إلى الاتفاق حول الأسباب حتى يتسنى لنا أن نتفق على سياسات حكيمة لمعالجة المشكلة.
وهناك العديد من الطرق لقياس التفاوت بين الناس. وكل منها قد ينبئنا بأمر مختلف. فبفضل النجاح الاقتصادي الذي حققته عِدة بلدان آسيوية أخيراً تراجعت فجوة التفاوت وفقاً لبعض المقاييس (على سبيل المثال، انخفاض كبير في معدل الفقر)، ولكن ليس وفقاً لمقاييس أخرى (زيادة النطاق بين الأعلى والأدنى).
ولكن في الولايات المتحدة، أشارت كل مقاييس التفاوت في نفس الاتجاه منذ مطلع القرن، على النحو الذي يعكس حقيقة مفادها أن فوائد النمو الاقتصادي ذهبت بشكل شبه كامل إلى أولئك على القمة. فقد بلغت حصة الدخل التي حصل عليها المنتمون إلى شريحة النصف في المئة الأعلى دخلاً نحو 14%، كما كانت في عشرينيات القرن العشرين.
قد يتصور المرء عادة أن تشخيص السبب وراء مثل هذا التحول الجوهري يمثل خطوة ضرورية في وصف العلاج. وفي هذه الحالة، ربما يفقد المرء عزيمته إزاء الوفرة الهائلة من التفسيرات المقبولة التي طُرِحَت وصعوبة الاختيار من بينها، ويؤكد كتاب توماس بيكيتي «رأس المال في القرن الحادي والعشرين» ما يعتبره اتجاهاً طويل الأمد للغاية نشأ بسبب العائد المرتفع على رأس المال، الذي يتسبب في تراكم الثروة الموروثة بمعدل أسرع من نمو الدخل المكتسب.
كان كتاب بيكيتي، الذي نُشِر عام 2013، مؤثراً إلى حد كبير في إعادة التفاوت إلى أجندة الاقتصاديين الأميركيين. ولكن أغلب الباحثين يعتقدون أن مصدر اتساع فجوة التفاوت في الولايات المتحدة يكمن في المقام الأول في الدخل المكتسب، ولا يرجع إلى الفارق بين الدخل المكتسب (الأجور والرواتب) والدخل غير المكتسب (العائد على رأس المال).
يتلخص التفسير الأول للتفاوت بين الدخول غير المكتسبة في التغير التكنولوجي، والذي يعمل على زيادة الطلب على العاملين المهرة بسرعة أكبر مقارنة بزيادة المعروض منهم.
ولكن في حين قد يفسر هذا الفجوة المتزايدة الاتساع في الأجر أو الدخل بين العاملين المهرة و«غير المهرة» (محددة وفقاً لكونهم من الحاصلين على التعليم العالي أو من غير الحاصلين عليه)، فإن هذا لا تربطه أي علاقة تُذكَر بالفجوة بين شريحة الواحد في المئة الأعلى دخلاً وبقية شرائح الدخل، ويكمن التفسير الثاني في ما يسمى «التزاوج المتجانس»، الذي بموجبه لم يعد الرجال المهرة من أصحاب المهن المجزية يتزوجون سكرتيراتهم، بل يختارون بدلاً من ذلك النساء الماهرات اللاتي يعملن في مهن مجزية.
ويتمثل التفسير الثالث في طبيعة استئثار الفائز بكل شيء التي تتسم بها مهن عديدة، من أطباء الأسنان إلى أساتذة الجامعة إلى نجوم السينما. ولأن وسائل الإعلام الحديثة تخبرنا بمن هو أفضل طبيب أسنان في المدينة أو أفضل ممثل سينمائي في العالم، فإن فوارق صغيرة نسبياً في القدرات تؤدي إلى فوارق في الدخل أكبر كثيراً مما كانت عليه الحال سابقاً.
ووفقاً للتفسير الرابع، فإن التعويضات البالغة الارتفاع التي يحصل عليها المسؤولون التنفيذيون في الشركات، وخاصة في القطاع المالي، لا تمثل عائداً على خدمات عليها طلب لأنها ذات قيمة اجتماعية (مثل التخرج في كلية الطب أو مولد المرء بموهبة التمثيل).
بل بدلاً من ذلك، يحظى المديرون في الأساس بالفرصة لوضع شروط أجورهم ومكافآتهم، وذلك من خلال حزم تعويضات تعكس إخفاقات حوكمة الشركات، وقانون الضرائب، والهندسة المالية. على سبيل المثال، فشلت خيارات الأسهم في تحقيق هدفها الأصلي المتمثل في ربط الأجر بالأداء .
بيد أن العديد من وصفات السياسات الكفيلة بتخفيف شدة التفاوت صالحة للتطبيق بصرف النظر عن السبب. وأغلبها من شأنها أن تجعل النظام الضريبي أكثر تصاعدية من خلال خفض معدل الضريبة الهامشي الفعّال المفروض على العمال من ذوي الدخل المنخفض على سبيل المثال ــ وهو ما أسماه الرئيس الأميركي باراك أوباما «جعل العمل مجزياً».
ويُعَد تعزيز الائتمان الضريبي للدخل المكتسب خياراً حياً اليوم، وقد اقترح أوباما في خطاب حالة الاتحاد في يناير 2016 توسيع مظلة التأمين على الأجور، التي تساعد حالياً العاملين الذين يفقدون وظائفهم بسبب التجارة، ولكن من الممكن أن تمتد إلى أولئك الذين يفقدون وظائفهم بسبب التغير التكنولوجي. وعلى نحو مماثل، يمكن إلغاء ضريبة الرواتب المفروضة على العاملين من ذوي الدخل المنخفض.
وفي ضوء العجز الوشيك في برامج الضمان الاجتماعي والرعاية الطبية في أميركا، ينبغي لمثل هذه التغييرات في قانون الضرائب أن تكون محايدة بالنسبة للعائدات في الظروف المثالية. وكالمعتاد، يقترح المرشحون الجمهوريون للرئاسة هذا العام تخفيضات ضريبية كبيرة، تركز على الأثرياء، من دون الاستعانة بخطة لكيفية تغطية تكاليف هذه التخفيضات.
الواقع أن كثيرين من أولئك الذين يبدون الاستياء إزاء التفاوت بين الناس ينجذبون لشعارات بيرني ساندرز (أو شعارات دونالد ترامب)، وفي اعتقادي أن التصويت لصالح المرشحين الذين يعتزمون استنان السياسات الصحيحة يمثل استراتيجية أكثر مباشرة لمعالجة التفاوت ــ وأمور كثيرة أخرى.
* أستاذ تكوين رأس المال والنمو في جامعة هارفارد
التغييرات في قانون الضرائب ينبغي أن تكون محايدة