قبل أكثر من أربعين عاماً، في مقال بعنوان "المجاعة، والثراء، والأخلاق"، دعوت القراء إلى أن يتصور كل منهم نفسه وكأنه يمر ببركة ضحلة فيرى طفلاً صغيراً سقط فيها ويبدو أنه يشرف على الغرق. يمكنك بسهولة أن تنقذ الطِفل، ولكن هذا يعني إتلاف حذائك الجديد الباهظ الثمن. ألن يكون من الخطأ أن تتجاهل الطِفل وتستمر في طريقك؟

عندما أطلب من الحضور التصويت برفع أيديهم بشأن هذا السؤال، فإنهم يُجمِعون عادة على أنه من الخطأ إعطاء الأولوية للحذاء.

ثم أشير إلى أننا بالتبرع لمؤسسة خيرية تسعى إلى حماية الأطفال في البلدان النامية من الملاريا أو الإسهال أو الحصبة أو نقص التغذية نستطيع جميعاً أن ننقذ حياة طِفل، وهي حجة بسيطة، إلى أن ندرك أننا بإنقاذ طِفل واحد بالتبرع لمؤسسة خيرية فاعلة نحظى بالفرصة لإنقاذ آخر، وآخر، وآخر. فهل ينبغي لنا أن نتوقف عن الإنفاق على الكماليات حتى يتسنى لنا أن ننقذ حياة أخرى، فنستمر في العطاء ؟

يتردد صدى المثال الذي أوردته (إنقاذ الطِفل الغريق) في عنوان كتاب لاريسا ماكفاركهار الأخير "غرباء غرقى". يتألف جوهر الكتاب من سلسلة لمحات مختصرة من حياة أشخاص يعيشون وفقاً لمعيار أخلاقي يتطلب الالتزام به بذل جهود صارمة.

تمزج ماكفاركهار بين هذه اللمحات ومناقشات لمواقف الإيثار التي عبر عنها، بين آخرين، برنارد ماندفيل، وآدم سميث، وإيمانويل كانط، وتشالز داروين، وسيغموند فرويد. كان العديد من هؤلاء المفكرين معادين لفكرة الإيثار، أو ربما أنكروا حتى وجوده.

وعندما أخبرت ماكفاركهار صديقاتها بأنها تؤلف كتاباً عن "فاعلي الخير"، وجدتهم يعربون عن عدم ارتياحهم إزاء الفكرة بأن بعض الناس لا يجاهرون بمبادئ أخلاقية شديدة الصرامة فحسب، بل ويعيشون وفقاً لها أيضاً. وقد وجدت ماكفاركهار هذا العداء محيرا ــ فلماذا لا نُعجَب بالأشخاص الذين يقدمون الكثير للآخرين، بدلاً من اتهامهم بغرابة الأطوار؟

* أستاذ أخلاق الطب الحيوي في جامعة برينستون