زرت دبي مرات عديدة فأحببتُها، وبدأت أتابع كل الأخبار عن دبي منذ سنوات، عبر وسائل الإعلام العربية والصينية والغربية.
وكان آخر ما أثار انتباهي في الآونة الأخيرة، ثلاثة أخبار أو تقارير تتعلق بدبي وتتناقلها وسائل التواصل الاجتماعي الصيني بشكل واسع. أولها تقرير كتبه إعلامي صيني عاش في دبي سبع سنوات تحت عنوان:
«لماذا تتفوق دبي على المدن الأوروبية... أمنياً؟» حيث استخلص نتيجة مفادها أن دبي التي تزخر بمهاجرين من كافة الجنسيات، نجحت في ضرب مثال عالمي رائع في الأمن والاستقرار والانفتاح على العالم والثقة المتبادلة بين سكانها والتعايش المنسجم بين مختلف الثقافات والعرقيات.
وكان الخبر الثاني يدور حول فعاليات ثقافية وتجارية متنوعة أقيمت في معالم دبي العديدة، بل في أماكن أخرى في الإمارات أيضا، احتفالاً بعيد رأس السنة القمرية الصينية أو عيد الربيع الصيني. فارتدى برج العرب، أحد أشهر معالم دبي، حلة ضوئية حمراء في ليلة العيد وارتسمت كلمة «قرد» باللغة الصينية على الحائط الخارجي للبرج، تيمناً بسنة القرد حسب التقويم القمري الصيني.
كما عبر عن تهانيه للشعب الصيني والجالية الصينية في الإمارات بمناسبة العيد أثناء حضوره افتتاح التوسعة الثانية لسوق التنين الصيني في دبي. وقد أثار هذا الخبر انتباهي خاصة وأن هناك جدالاً دار في الفترة الأخيرة، حول ما إذا كان الاحتفال بعيد الربيع، عيد غير إسلامي في نظر البعض، حلال أم حرام على المسلمين!
أما الخبر الثالث فهو عن إطلاق بناء أكبر مكتبة في العالم للمحتوى العربي، حيث قال صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، في مراسم إطلاق المشروع:
«نحن أصحاب حضارة ورسالة وثقافة، ولا بد من إحياء روح المعرفة لدى شعوبنا عبر مبادرات تتجاوز الحدود، فأحببنا أن نبدأ عام القراءة بقوة عبر إطلاق هذه المكتبة لنبعث رسالة للجميع بأننا جادون في تحويل الإمارات إلى عاصمة ثقافية ومعرفية، وجعل القراءة عادة مجتمعية راسخة».
وقد عززت الأخبار السابقة قناعتي بأن دبي تحمل رؤية وطموحات أبعد من المال والتجارة والاقتصاد، وهي قناعة توصلت إليها قبل سنوات عندما قمت بترجمة كتاب «رؤيتي: التحديات في سباق التميز».
وبالرغم من مرور سنوات على إنجاز مشروع الترجمة، إلا أنني ما زلت أذكر الكثير من التفاصيل في هذا الكتاب الممتع والملهم. ومنها قصة نجاح شركة الإمارات للطيران التي انطلقت من طائرتين مستأجرتين عام 1985 لتصبح شركة رائدة عالميا في مجال الطيران اليوم.
وقصة نجاح السياحة في دبي التي انطلقت من تصور كان موضع السخرية من قبل بعض الناس قبل 25 سنة تقريبا، فتحولت إلى حقيقة مبهرة اليوم تتجسد في جذب بضعة عشر مليون سائح من كل أنحاء العالم يزورون دبي سنويا. ومنها أيضا حكاية السباق بين الغزال والأسد، التي ذكرها سموه في مستهل الكتاب وخاتمته من أجل توجيه تحذير إلى الناس جميعاً.
ولكن ما يسترعي انتباهي أكثر كانت إشارته مراراً وتكراراً إلى قرطبة، العاصمة الإسلامية العظيمة في العصر الأندلسي، حرصاً منه على إحياء تجربة قرطبة الفريدة في تحقيق التعايش السلمي بين الأديان والثقافات، كما عبر عنه في السطور التالية:
«من يتحدث اليوم عن صراع الحضارات، وعن العداوة بين الإسلام والغرب، ويزعم أن الغرب لا يستطيع التعايش مع الإسلام وأننا نمجد الموت ولا نمجد الحياة فإنه لم يزر دبي ولا يعرف تاريخ قرطبة أو تاريخ كل حواضر العرب. كلهم تعايشوا مع الأديان كلها ونحن أيضاً نفعل الشيء نفسه ونقدم البرهان مرة أخرى على أن العيش في النهاية ما هو إلا التعايش الذي يدعو إليه الدين الإسلامي وتزهو به صفات حضارتنا».
«إن المسؤولية التي تقع على عاتقنا تفرض علينا أن نقدم للآخرين صورة جميلة عن ديننا من خلال معاملتنا لهم وتعايشنا الإيجابي معهم في أمن وسلام وتفاعل لتحقيق مقتضيات التنمية التجارية والإنسانية معاً».
وفي رأيي أن هذه «الصورة الجميلة» التي تطلع إليها سموه قد تحققت إلى حد كبير في دبي اليوم، بل في دولة الإمارات العربية المتحدة ككل، فعندما كنت أتجول في شوارعها ومحلاتها وأرى الموظفين والتجار السياح القادمين من كل أنحاء العالم (ومنهم حوالي مئتي ألف صيني مقيم في دبي!) وتعلو وجوههم جميعا الراحة والطمأنينة..
وعندما أدركت حقيقة أن دبي تظل واحة للأمن والسلام والاعتدال في منطقة الشرق الأوسط التي تعاني كثيرا من ويلات الإرهاب والتطرف والحروب الداخلية، عرفت أن دبي، ودولة الإمارات ككل، قد أصبحت نموذجاً عصرياً ناجحاً مثلما كانت الحال بالنسبة لقرطبة.
إذا صح القول إن أعظم ما في الحضارة العربية الأندلسية لا يتجسد في قصر الحمراء أو مسجد قرطبة الكبير أو مدينة الزهراء، بل في تقديمها للإنسانية النموذج الفريد على إمكان تعايش الحضارات والأديان وتعاون الجميع لتحقيق التقدم والارتقاء..
فإن أعظم ما في دبي اليوم، في نظري، لا يتمثل في أبراجها وناطحاتها الشهيرة، بل في قدرتها على تجسيد رؤية فريدة للإنسان العربي المعاصر، رؤية أبعد من المال والتجارة لتشمل قيماً حضارية كالتسامح والتعايش والتعاون والانفتاح، من أجل خلق قرطبة عربية جديدة في القرن الحادي والعشرين.
سأختتم هذه المقالة باقتباس فقرة من كلمة (رين جينغ في) مدير عام شركة هواوي الصينية إحدى كبريات الشركات العالمية في قطاع الاتصالات، في الاجتماع السنوي لتوزيع الجوائز على موظفي الشركة في الشهر الماضي: «تتميز ثقافة دبي بحرصها على بناء مجتمع منفتح والاستفادة من عقول وموارد العالم كله لخلق أجمل مدينة في العالم. قد تنضب الموارد الطبيعية في يوم ما، أما الثقافة، أعني الثقافة المنفتحة في دبي، فهي قابلة للتجدد دائماً. فلماذا لا نتعلم من دبي في سعينا لبناء هواوي القوية؟».
* مدير مركز الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان لدراسة اللغة العربية والدراسات الإسلامية في جامعة الدراسات الأجنبية ببكين