أنهى انتخاب موريسيو مارسي كرئيس للأرجنتين 12 عاماً من حكم نيستور وكريستينا فرناندز كريشنر. لقد ورثت إدارة مارسي اقتصادا ضعيفا .

ولو لم يكن حذرا فإن من الممكن أن تواجه الأرجنتين أزمة في ميزان المدفوعات، وذلك نظرا للظروف الخارجية المتدهورة وسوء إدارة الاقتصاد الكلي وخاصة بعد 2011.

لكن بعض جوانب الوضع الاقتصادي الأرجنتيني هي مواتية بشكل كبير ليس أقلها نسبة الدين للناتج المحلي الإجمالي وكنتيجة لذلك فإن حكومة مارسي تواجه مهمة أقل صعوبة بكثير من المهمة التي واجهتها كريشنر سنة 2003 بعد أن انتهت تجربة دامت عشر سنوات مع سياسات إجماع واشنطن (رفع القيود المالية وتحرير التجارة والتخصيص) وربط العملة الأرجنتينية البيزو بالدولار الأميركي بكارثة.

عندما تولت كريشنر مهام منصبها كانت الأرجنتين تشهد أخطر أزمة اقتصادية على الإطلاق. لقد زادت البطالة وانعدام المساواة والفقر والدين الوطني. إن تصفية الصناعات على نطاق واسع والضعف العميق في النظام التعليمي لم يبشر بالخير بالنسبة للمستقبل.

خلال رئاسة فرناندز تمكنت البلاد من اجتياز الأزمة المالية العالمية بنجاح نسبي ولكن بعد سنة 2011 وعوضا عن صياغة السياسات الكلية والجزئية لصالح الزيادة المستمرة في العرض والطلب فلقد عززت معظم السياسات استدامة الطلب الكلي في سياق لم يعد متوافقا مع النظرية الكينيزية في الاقتصاد بشكل بحت.

إن مهمة مارسي هي التعامل مع الاختلالات الخارجية والمالية وخفض التضخم بدون تخريب ما تم إنجازه لغاية الآن، وفي الأسابيع الأولى أزالت حكومته أو خفّضت الضرائب على صادرات البضائع وألغت الرقابة على الصرف، مما نتج عنه تخفيض العملة على أرض الواقع بنسبة 35% مقارنة بالدولار.

إن هناك أربعة أوجه رئيسية للغموض وهي كالآتي: 1-إزالة ضرائب التصدير والرقابة على الصرف سوف تؤثر سلبا على الأسعار الاستهلاكية. 2-تأثير تخفيض العملة على أرض الواقع على الصادرات والواردات. 3-كيفية تعامل المستثمرين الأجانب مع البيئة الجديدة. 4- الوصول للتمويل الوقتي والذي يعتمد على التسويات مع الدائنين الرافضين (ما يطلق عليه الصناديق الانتهازية).

إن الرابحين الفوريين هم المصدرون الزراعيون وغيرهم من مصدري البضائع الذين سيحصلون على مبالغ أكثر بكثير مقابل ما يبيعونه. لو لم يتسبب تخفيض العملة بضغوطات تضخمية كبيرة فإن هذا التخفيض سوف يعزز من التنافسية دون تخفيض الأجور الحقيقية.

لكن يبدو أن هذا الكلام هو ضرب من ضروب التمني فلو تم تمرير الأسعار الأكثر ارتفاعا للبضائع المحلية، والتي كانت تخضع في السابق لضرائب التصدير وضرائب الواردات (كنتيجة لتخفيض قيمة العملة) للمستهلكين فإن الأجور الحقيقية سوف تنخفض، وفي مثل تلك الحالة فإن من المرجح أن يطالب العمال بزيادات أكبر في الأجور..

مما يزيد من التضخم. إن تأثير انخفاض قيمة العملة على الأسعار الاستهلاكية يمكن أن يتجاوز البضائع المتداولة، فالأرجنتين لديها تاريخ طويل مع الأسعار غير المستقرة إلى حد كبير، حيث عادة ما يكون الدولار الأميركي هو العملة المرجعية لتحديد أسعار البضائع غير المتداولة.

لو تصرف البنك المركزي بشكل هجومي ودفع بالاقتصاد نحو الركود، فإن الفقراء سيتأثرون على نحو غير متناسب. إن وجود نظام يستهدف التضخم (والذي أعلن البنك المركزي نيته تأسيسه) سوف يجعل هذه النتيجة أكثر ترجيحا.

يعتقد المتفائلون أن النظام الجديد المتعلق بالسياسات سوف يؤدي الى تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة وبأن التوصل الى حل «عادل» مع مطالبات الانتهازيين سوف يمهد الطريق لقرض مؤقت من أجل تغطية أي فجوة بالتمويل، وبالإضافة إلى ذلك فإن سعر الصرف الأضعف مع مبيعات البضائع المقيدة والتي تنتظر تخفيض العملة لمرة واحدة سوف تكون كافية من أجل تلبية احتياجات النقد الأجنبي.

إن المتشائمين والذين ينظرون للتباطؤ العالمي والركود في البرازيل والدول المجاورة يشعرون بالقلق من أنه ستكون هناك حاجة لمزيد من التخفيضات في قيمة العملة، نظرا للتأثير الكبير على الأسعار الاستهلاكية، علما أن - توقعه- يمكن أن يؤدي لتأخير الشحنات من قبل بعض المصدرين كما أنهم يقلقون من الارتفاع في الطلب المكبوت على الواردات، وذلك عندما يتم رفع قيود الإيرادات بشكل كامل.

إن الأعمال الأولية للحكومة تثير القلق وعلى وجه الخصوص الخفض الدائم في ضرائب التصدير، علما أن هذا الخفض هو عبارة عن نقل كبير لأموال الأغنياء وبتكلفة كبيرة تقع على عاتق العمال العاديين وبغض النظر عن فوائد الفعالية، فإن عواقب التوزيع وأبعاد التنمية لا يمكن تجاهلها.

لكن يبدو أن سياسات مارسي الاقتصادية الأولية تعتمد على عدد من من الافتراضات المثيرة للجدل، عن كيف سيؤثر خفض قيمة العملة على الأسعار الاستهلاكية، وكيف يستجيب الاستثمار للمزيد من سياسات قوى السوق. لو فشلت تلك الافتراضات فإنه يتوجب على الحكومة أن ترد سريعا والتدخل من أجل تجنب تأثيرات الركود المحتملة أو الزيادات في انعدام المساواة والفقر وإلا فإن عملية التنمية الشاملة ستتعرض لضرر شديد.

* زميل أبحاث ما بعد الدكتوراه في كلية إدارة الأعمال في جامعة كولومبيا وزميل تنفيذي لمركز ابتكارات الحكم العالمي.

** حائز جائزة نوبل في الاقتصاد وهو يعمل حاليا أستاذا جامعيا في جامعة كولومبيا.

تاريخ طويل للأرجنتين مع الأسعار غير المستقرة