كان الاعتقاد بأن الاستثمارات العامة في البنية الأساسية ــ الطرق والسدود ومحطات الطاقة وما إلى ذلك ــ تشكل محركاً لا غنى عنه للنمو الاقتصادي مسيطراً بقوة دائماً على أذهان صناع السياسات في الدول الفقيرة.
وكان نفس الاعتقاد أيضاً كامناً وراء مساعدات التنمية المبكرة في أعقاب الحرب العالمية الثانية، عندما بدأ البنك الدولي والجهات المانحة الثنائية توجيه الموارد إلى البلدان المستقلة حديثاً لتمويل مشاريع ضخمة. كما يحفز ذات الاعتقاد البنك الآسيوي للاستثمار في البنية الأساسية الجديد بقيادة الصين، والذي يهدف إلى سد فجوة البنية الأساسية المفترضة في المنطقة والتي تبلغ 8 تريليونات دولار أميركي.
بيد أن هذا النوع من نماذج النمو الذي تحركه الاستثمارات العامة ــ والذي يُطلَق عليه من قبيل التهكم عادة وصف «الأصولية الرأسمالية».
فمنذ سبعينيات القرن العشرين، ظل خبراء الاقتصاد ينصحون صناع السياسات بالتقليل من الاعتماد على القطاع العام ورأس المال المادي والبنية الأساسية، وإعطاء الأولوية للأسواق الخاصة ورأس المال البشري (المهارات والتدريب)، وإصلاحات الحوكمة والمؤسسات. وتشير كل المظاهر إلى أن استراتيجيات التنمية تحولت كلياً نتيجة لذلك.
وربما حان الآن وقت إعادة النظر في هذا التغير. فإذا نظرنا إلى البلدان التي لا تزال تنمو بسرعة بالغة برغم الرياح الاقتصادية العالمية المعاكسة متزايدة القوة، فسوف نجد أن الاستثمارات العامة تتولى قسماً كبيراً من العمل.
ونحن نعلم أن الزيادات الكبيرة في الاستثمارات العامة، مثلها كمثل طفرات السلع الأساسية، كثيراً ما تنتهي إلى الدموع والآلام. ذلك أن العائدات الاقتصادية والاجتماعية تتراجع وينضب معين الأموال، الأمر الذي يمهد الساحة لأزمة الديون. وتشير دراسة حديثة أجراها صندوق النقد الدولي إلى أن أغلب محركات الاستثمار العام تتعثر بعد بعض التأثيرات الإيجابية المبكرة.
داني رودريك ** أستاذ الاقتصاد السياسي الدولي في كلية جون ف. كينيدي لعلوم الإدارة الحكومية