إن استجابة أوروبا للتحديات الاستراتيجية التي تواجهها ــ العدوان الروسي على أوكرانيا، وتدفق اللاجئين الفارين من العنف في الشرق الأوسط، والاضطرابات في شمال أفريقيا ــ تخلف لدى المرء انطباعاً بأن قادة أوروبا ليس لديهم أدنى فكرة عما يفعلون. الواقع أنهم لا يدرون حقاً ماذا يفعلون ــ وهو واقع لابد من الاعتراف به، وليس التغطية عليه.
الأمر ببساطة أن الاقتصاد الراكد في الاتحاد الأوروبي يعمل على تكييف استجابته للضغوط الخارجية التي يواجهها؛ فالأزمة الداخلية لم تترك لقادة الاتحاد الأوروبي مجالاً كبيراً للمناورة. ولكن من حسن الحظ أن أوروبا تمتلك الوسائل اللازمة للتعامل مع هذه الأزمة، شريطة أن تستحضر الحكمة والإرادة السياسية.
عندما نسترجع الأحداث الآن، فسوف يتبين لنا بوضوح ما الذي كان ينبغي لنا أن نقوم به. فاليونان، التي نفذت أكبر برنامج للتحفيز المالي، هي الدولة التي تعرض اقتصادها للقدر الأكبر من الضرر. فالكساد هناك لا يزال مستمراً، في حين تتمتع بلدان مثل لاتفيا ولتوانيا وإستونيا، والتي نفذت في وقت مبكر تعديلات مالية جذرية وحررت اقتصاداتها، بنمو قوي الآن...
فضلاً عن ذلك، كانت الوتيرة البطيئة التي تتسم بها عملية اتخاذ القرار الأوروبي سبباً في تفاقم المشكلات في اليونان. فعندما يتعلق الأمر بالسياسة الاقتصادية، تكون القرارات السريعة الخاطئة في كثير من الأحيان أفضل من التقاعس عن التحرك بالمرة.
فبدلاً من المسارعة إلى حل الأزمة المالية اليونانية، سمح زعماء أوروبا لليونان بتأجيل مناقشة قضايا أخرى لمدة خمس سنوات طويلة. وفي الوقت نفسه، مضت اليونان متخبطة، ولم تتخذ قط التدابير الحاسمة التي كانت لتعمل على إعادة الثقة.
لم يتغير شيء يُذكَر منذ لاحظ الخبيران الاقتصاديان ألبرتو أليسينا وفرانشيسكو جيافاتزي قبل ما يقرب من عشر سنوات أنه «في غياب الإصلاحات الجادة والعميقة والشاملة، سوف تنحدر أوروبا لا محالة على الصعيدين الاقتصادي والسياسي». وقد حذرا من أنه «في غياب التغيير العميق، فإن حصة أوروبا في الناتج العالمي سوف تصبح في غضون عشرين إلى ثلاثين عاماً أقل كثيراً مما هي عليه اليوم، بل وربما يتضاءل نفوذها السياسي بشكل كبير».
الواقع أن تقريراً صادراً عن البنك الدولي حول النمو الأوروبي في عام 2012 لخص الموقف كالتالي: «لقد أصبح الأوروبيون الذين تمكنت منهم الشيخوخة بين فكي كماشة الأميركيين المبدعين والآسيويين الأكفاء».
الواقع أن المتهمين الرئيسيين وراء أداء أوروبا الضعيف معلومون تماماً: الضرائب المرتفعة، والقيود التنظيمية الكثيرة والرديئة، وغياب الأسواق الرئيسية، والإنفاق العام المرتفع. وهناك سبب واحد يدفع الحكومات الأوروبية إلى الإفراط في الإنفاق على هذا النحو:
الحماية الاجتماعية المفرطة. فكما لاحظ البنك الدولي، تنفق الحكومات الغربية نحو 10% من ناتجها المحلي الإجمالي أكثر مما تنفقه الولايات المتحدة وكندا واليابان. والفارق في الإنفاق على الحماية الاجتماعية هو 9% من الناتج المحلي الإجمالي.
ولتمويل هذا الإنفاق، فلا مناص من تحصيل العائدات. وبسبب صعوبة فرض الضرائب على رأس المال بكفاءة، فرضت أوروبا ضرائب باهظة على العمل. وفي مختلف أنحاء القارة..
ولكن بصورة خاصة في جنوب أوروبا، تتسبب الضرائب والقيود التنظيمية الصارمة المفروضة على سوق العمل في الإبقاء على البطالة مرتفعة، عند مستوى 11% من القوى العاملة، الأمر الذي يجعل الأوروبيين يحجمون عن الاستثمار في تعليم أنفسهم. والنتيجة الطبيعية لهذا تضاؤل معدلات تشغيل العمالة، وقِلة الاستثمار في التعليم المتطور، وتراجع الإبداع، وزيادة طفيفة للغاية في الإنتاجية.
والأمر الأكثر إثارة للدهشة هو تخلف الأوروبيين في تطوير وإبداع التكنولوجيا الفائقة. فبكل المقاييس تقريباً، تبدو أغلب أوروبا في حالة يرثى لها. فبين أفضل خمسين جامعة في العالم، وفقاً لقائمة شنغهاي وقائمة ملحق التايمز للتعليم العالي، تحتل أميركا ثلاثين مرتبة..
وتحتل بريطانيا ست أو سبع مراتب، أما أوروبا القارية فتحتل قِلة لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة من المراتب على القائمتين. الواقع أن ستة بلدان في شمال أوروبا يمكنها أن تتنافس مع الولايات المتحدة عندما يتعلق الأمر بالإنفاق على البحث والتطوير وبراءات الاختراع، ولكن جنوب وشرق أوروبا متخلفان كثيراً عن الركب.
ومن ناحية أخرى، لم يفتح الاتحاد الأوروبي حتى الآن أسواقه لخدمات الأعمال والتجارة الرقمية، التي يزدهر بها الاقتصاد الأميركي، حتى برغم أن الخدمات تمثل نحو 70% من الناتج المحلي الإجمالي في أغلب بلدان الاتحاد الأوروبي. في عام 2006، أصدرت المفوضية الأوروبية لائحة تنفيذية بشأن تحرير التجارة في الخدمات..
ولكن الدول الكبرى ــ وخاصة ألمانيا ــ رفضت تنفيذها. ويتسبب غياب الخدمات في الأسواق الرقمية في إلحاق الضرر بتطور الاقتصاد الحديث في أوروبا. وليس من قبيل المصادفة أن تحكم شركات أميركية عملاقة مثل أبل وأمازون وجوجل عالم التكنولوجيا الفائقة.
إن الوعكة الأوروبية ليست حتمية، تماماً كما لا تشكل التحويلات الاجتماعية المفرطة حقيقة أوروبية لا فكاك منها. فقد نجحت الحكومات الأوروبية الجادة ــ من أيرلندا إلى بولندا ــ في علاج هذه المشكلة. ولا ينبغي لبقية بلدان الاتحاد الأوروبي أن تحذو حذو هذه البلدان فحسب؛ بل يتعين عليها أيضاً أن تعمل على خفض الضرائب على الدخل والأجور وتحرير أسواق العمل لديها.
إن الإصلاحات الاقتصادية الجوهرية لا تنفذ عادة إلا بعد أزمة حادة، كما كانت الحال في بريطانيا في أواخر سبعينيات القرن العشرين، وفي السويد وفنلندا في أوائل التسعينيات، وفي أوروبا الشرقية بعد انهيار الشيوعية في عام 1989.
وقد أهدر الاتحاد الأوروبي الفرص التي أتاحتها الأزمة المالية العالمية في عام 2008. فبدلاً من إحداث التغييرات الصعبة التي كانت لتمكن الاقتصاد من التعافي بقوة، أثقل صناع السياسات في أوروبا كاهل الاقتصاد بالمزيد من الإنفاق والديون.
سوف يواصل الاتحاد الأوروبي تخبطه إلى أن يعترف بأخطائه ويبدأ في تنفيذ الإصلاحات التي يحتاج إليها اقتصاده. ولن يتمكن زعماء أوروبا من معالجة التحديات الخارجية التي يواجهونها الآن إلا من خلال إعادة القارة إلى مسار النمو بقوة.
* كبير زملاء المجلس الأطلسي في واشنطن