البحوث المتطورة، مثلها كمثل الإبداع، عملية ملتبسة غامضة بطبيعتها. فلا أحد يستطيع أن يجزم بما قد يتوصل إليه من مكتشفات عندما يعمل بالاستعانة بأحدث ما قدمته التكنولوجيا فيحاول الانطلاق إلى منطقة مجهولة.
إن العلم هو المؤسسة المدنية الوحيدة التي تعمل وفقاً لأفق زمني متضمن طويل الأجل ــ الخاصية التي تبني الثقة في مستقبل هشّ. لقد بدأت العلوم الحديثة في أوروبا قبل ثلاثمائة عام على أيدي عدد قليل من الناس نسبيا ــ ربما ما لا يزيد على ألف شخص عندما كانت الثورة العلمية المفترضة في أوجها. ولقد بدأ هؤلاء العلماء في الانخراط في التحقيق المنهجي في الكيفية التي يعمل بها العالم الطبيعي (وبدرجة أقل العالم الاجتماعي).
ولقد حصلوا على معرفة جديدة فيما يتصل بكيفية استغلال العمليات الطبيعية والتدخل فيها. وانتشرت الممارسات التجريبية التي اخترعوها إلى خارج جدران مختبراتهم. وفي وقت لاحق بدأوا في دعم التقدم والاندماج في الحرف المختلفة لدفع الثورة الصناعية إلى الأمام.
دعونا نتطلع إلى المستقبل الآن. وفقاً لخبير الإحصاء هانز روزلنغ، فإن كوكبنا ربما يكون موطناً لتسعة مليارات نسمة على الأقل بحلول عام 2050. وسوف يعيش ستة مليارات نسمة في آسيا، ومليار واحد في إفريقيا، ومليار ونصف المليار في الأميركتين، و500 مليون في أوروبا. وبضمان بقاء السعي وراء المعارف الجديدة أولوية أولى، فإن أوروبا قادرة على حماية الثورة العلمية والاحتفاظ بلواء الريادة على مستوى العالم، رغم أن سكانها أقل من سكان المناطق الأخرى.
إن المؤسسات العلمية في أوروبا آخذة بالفعل في التطور والتكيف مع التحديات العالمية الجديدة. وهؤلاء الناس الذين يعملون داخل مجال العلوم والذين يتعاملون مع العلوم ــ المواطنون العاديون ــ سوف يؤكدون على استمرار السعي الدائم للارتقاء بالإنسان في العمل كجزء مهم من الهوية الأوروبية، إن العلم وحده لن ينقذ أوروبا، ولكن أوروبا التي تعرف كيف تستغل علمها لن تحتاج إلى إنقاذ.
* رئيسة مجلس البحوث الأوروبية