عندما يتفاوض الناس وعندما تتفاوض الدول، فإن الحديث يدور عادة حول المصالح، وكأن المصالح هي المسألة الوحيدة القادرة على تمكين الأطراف من التوصل إلى اتفاق.

فعندما يتخيل المرء عدد القضايا الواجب النظر فيها، فسوف يتبين له بوضوح أن التفاوض يشكل نمطاً من التواصل ينطوي على ما هو أكثر من المصالح. فمن المؤكد أن المبادئ والأخلاقيات والاحترام البسيط للحقيقة من الأمور التي لابد وأن تساهم في توجيه الاتفاق بقدر ما تساهم المصالح في توجيهه.

قد يزعم البعض أن المفاوض الناجح لا يحتاج إلا للبراعة ــ القدرة على استخدام المبادئ لإخفاء المصالح الشخصية الحقيقية. ليس المقصود من كل هذا إنكار حقيقة مفادها أن المصالح تلعب دوراً في المفاوضات، أو أن المصالح قد تؤثر على الأخلاق. فقد زعم إيمانويل كانط غير ذلك ــ لابد وأن تتحرر الأخلاق من المصالح غير العالمية. ولكن الفيلسوف المعاصر يورغن هابرماس يزعم أن القواعد الأخلاقية صالحة ما دام الناس يتقبلونها بحرية بعد التفكير في العواقب المترتبة على تبنيهم لها بهدف تلبية المصالح.

في بعض الأحيان قد يبدو الدفاع عن المصالح وحده لائقاً ــ على سبيل المثال، في بعض الصفقات التجارية. ولكن كلما كانت المفاوضات أكثر تعقيداً، كلما ازدادت صعوبة تجاهل القضايا المعقدة مثل القيم والقواعد السلوكية أو أهمية الإخلاص. وعلى حد تعبير أرسطو: «فإن كل ما هو صادق وأنفع للناس يكون إثباته بطبيعة الحال أكثر سهولة وأكثر إقناعاً».

وإذا كانت المفاوضات تحتاج حقاً إلى حجج لائقة، فمن المنطقي بكل تأكيد أن تُحَل الكثير من الخلافات خارج سياق المفاوضات.

وينبغي للدول والشعوب أن تكف عن مناقشة المصالح التي تُفَرِّقها غالباً وأن تبدأ في مناقشة المبادئ التي توحدها. وما دام هذا النوع من التواصل يُدار بصدق وفي إطار من احترام القيم والقواعد والحقائق الموضوعية، فإن المفاوضات سوف تكون قادرة على تحقيق الإجماع والاتفاق.

 

* باحث في جامعة بانتيون