في غضون نصف العام الماضي، هبطت أسعار النفط العالمية، التي كانت شديدة التقلب خلال العقد الماضي، بأكثر من 50%. وكانت التأثيرات الاقتصادية سلبية عموماً بالنسبة للبلدان المصدرة للنفط، وإيجابية بالنسبة للبلدان المستوردة للنفط. ولكن ماذا عن التأثيرات غير المرتبطة بالاقتصاد بشكل مباشر؟ إذا كنا مهتمين بالعوامل البيئية وغير ذلك من العوامل الخارجية، فهل ينبغي لنا أن نكون راغبين في ارتفاع أسعار النفط، لأن هذا من شأنه أن يثبط استهلاك النفط، أو هبوطها لأن هذا من شأنه أن يثبت إنتاج النفط؟
الإجابة هي أن الدول لابد أن تسعى إلى تحقيق الأمرين: خفض الثمن المدفوع لمنتجي النفط ورفع السعر الذي يدفعه مستهلكو النفط، من خلال خفض إعانات الدعم للنفط والمنتجات المكررة أو زيادة الضرائب المفروضة عليها. وقد اغتنمت العديد من بلدان الأسواق الناشئة فرصة انخفاض أسعار النفط لتنفيذ مثل هذه الإصلاحات.
ولنتأمل هذا: لقد بدأت الطرق والجسور في أميركا تتهاوى، وتحتاج البنية الأساسية للنقل الوطني إلى الاستثمار والصيانة. وبرغم ذلك، يواصل الكونغرس الأميركي على نحو مخز تهربه من مسؤوليته عن تمويل الصندوق الائتماني الفيدرالي للطرق السريعة ويضعه على أساس سليم طويل الأمد، نظراً للخلاف حول كيفية تغطية تكاليفه. ويتلخص الحل الواضح، الذي دعا إليه خبراء الاقتصاد لفترة طويلة، في زيادة الضرائب الأميركية المفروضة على البنزين.
فقد ظلت الضرائب الفيدرالية على البنزين ثابتة عند 18.4 سنتاً للجالون منذ عام 1993، وهو أدنى مستوى بين البلدان المتقدمة. ولكن في الثلاثين من يوليو، تبنى الكونغرس الأميركي تدبيراً مؤقتاً لمدة ثلاثة أشهر فقط، وبالتالي أجل البت في مسألة الوقود للمرة الخامسة والثلاثين منذ عام 2009.
الواقع أن تسعير الوقود الأحفوري يشكل استثناءً واضحاً لقاعدة عامة مفادها أن استخدام الحكومة لأداة سياسية واحدة فقط من شأنه أن يمكنها من تحقيق هدف سياسي واحد. فبادئ ذي بدء، يمكن استخدام الأموال التي يتم توفيرها من خفض إعانات الدعم أو زيادة الضرائب المفروضة على قطاع النفط إما لخفض العجز في الموازنة أو تمويل الإنفاق المرغوب (مثل بناء الطرق السريعة وصيانتها في الولايات المتحدة). ومن ناحية أخرى، يعمل انخفاض استهلاك النفط على تخفيف الاختناقات المرورية والحوادث على الطرق، والحد من تلوث الهواء المحلي وما يترتب عليه من تأثيرات وتكاليف صحية، وخفض الانبعاثات الغازية المسببة للانحباس الحراري العالمي، والتي تؤدي إلى تغير المناخ العالمي. ويُعَد فرض الضرائب على الوقود وسيلة أكثر فعالية لتحقيق هذه الأهداف البيئية من أغلب البدائل الأخرى.
وهناك أيضاً أساس منطقي يتعلق بالأمن الوطني. فإذا كان سعر التجزئة للوقود منخفضا، فإن هذا يعني ارتفاع الاستهلاك المحلي. وارتفاع مستويات استهلاك النفط يجعل أي دولة عُرضة لاضطرابات وتقلبات سوق النفط الناجمة على سبيل المثال عن عدم الاستقرار في الشرق الأوسط. وإذا كانت الضرائب على البنزين مرتفعة وكان الاستهلاك منخفضا، كما هي الحال في أوروبا، فإن التقلبات في أسعار النفط العالمية تخلف تأثيراً أقل على المستوى المحلي.
أخيراً، رغم أن إعانات دعم الوقود يروج لها غالباً بشكل مضلل كوسيلة لتحسين توزيع الدخل، فإن الواقع أقرب إلى العكس تماماً. ففي مختلف أنحاء العالم، أصبحت إعانات دعم الوقود الأحفوري في تراجع: ذلك أن أقل كثيراً من 20% من المدفوعات يستفيد منها أكثر 20% فقراً بين السكان. فليس الفقراء هم الأكثر قيادة للسيارات؛ بل إنهم يميلون إلى استخدام وسائل النقل العام (أو المشي).
الرأي السائد هو أنه من المستحيل سياسياً في الولايات المتحدة زيادة الضرائب على البنزين. ولكن الولايات المتحدة ليست الدولة الوحيدة التي تُفرَض عليها قيود سياسية. فالواقع أن بعض حكومات الدول النامية واجهت اضطرابات مدنية، بل وحتى انقلابات، بسبب الضرائب المفروضة على الوقود أو إعانات دعمه. ولكن على الرغم من ذلك، قررت دول عدة خفض أو إلغاء أشكال مختلفة من إعانات دعم الوقود في العام الماضي.
ينبغي للولايات المتحدة، فضلاً عن زيادة الضرائب المفروضة على استهلاك الوقود، أن تعمل على وقف بعض إعانات الدعم التي تقدمها لمنتجي النفط. فبوسع شركات النفط أن تقتطع على الفور نسبة عالية من تكاليف الحفر من الالتزامات الضريبية المستحقة عليها، وهو ما لا تستطيع صناعات أخرى أن تفعله مع استثماراتها.
تشير تقديرات دراسة حديثة أجراها صندوق النقد الدولي إلى أن إعانات دعم الطاقة العالمية تتجاوز خمسة تريليونات دولار أميركي سنويا، في حين أشارت التقديرات المتحفظة لإعانات دعم الوقود الأحفوري في الولايات المتحدة إلى 37 مليار دولار سنويا (وهو ما لا يشكل تكلفة العوامل البيئية الخارجية). وكما أدرك زعماء بلدان الأسواق الناشئة فإن أسعار النفط الهابطة تمثل أفضل فرصة لتنفيذ الإصلاح.
وهو أيضاً توقيت جيد للإصلاح بالنسبة للولايات المتحدة وغيرها من البلدان المتقدمة من منظور الاقتصاد الكلي. ففي الماضي، كان لدى البلدان ما يدعوها إلى القلق من تحول الضريبة المتزايدة على الوقود إلى جزء أساسي من معدلات التضخم المرتفعة بشكل غير مريح. ولكن في الوقت الحالي، لم تعد البنوك المركزية قلقة بشأن التضخم، بل إنها ترغب في رفع معدله بعض الشيء.
سيكون لزاماً على الكونغرس الأميركي أن يعود إلى تمويل الطرق السريعة في سبتمبر المقبل. وإذا كانت بلدان أخرى قد وجدت أن ما كان مستحيلاً على المستوى السياسي أصبح فجأة ممكناً، فلماذا لا تتوصل الولايات المتحدة إلى نفس النتيجة؟
* أستاذ تكوين رأس المال والنمو في جامعة هارفارد.