في كتابه الحائز على جائزة بوليتزر «أمراء التمويل» يحدثنا الخبير الاقتصادي لياقت أحمد بالقصة حول الكيفية التي تسبب بها أربعة من محافظي البنوك المركزية، بدافع من تمسكهم القوي بمعيار الذهب، في «إفلاس العالم» واندلاع أزمة الكساد الأعظم (في ثلاثينيات القرن العشرين). واليوم يتقاسم محافظو البنوك المركزية إلى حد كبير الحكمة السائدة الجديدة ــ حول فوائد السياسة النقدية المتساهلة. تُرى هل يستعد صناع السياسات النقدية لإفلاس العالم مرة أخرى؟
لم تعد السياسة النقدية التقليدية تكرس معيار الذهب، الذي تسبب في إساءة إدارة أسعار الفائدة من قِبَل محافظي البنوك المركزية في عشرينيات القرن العشرين، الأمر الذي أدى إلى الانهيار الاقتصادي العالمي الذي مهد الساحة في نهاية المطاف لاندلاع الحرب العالمية الثانية.
كان تأثير الدرجة الأولى واضحاً. فقد وجد المستثمرون المؤسسون صعوبة كبيرة في تحقيق عائدات إيجابية حقيقية في أي من الاستثمارات التقليدية الآمنة. فقد ناضلت شركات التأمين على الحياة، على سبيل المثال، للوفاء بمعدلات عوائدها المضمونة. وقد استجاب المستثمرون لأسعار الفائدة القريبة من الصِفر بإدخال تعديلات غير مسبوقة على الطريقة التي يخصصون بها الأصول. وفي أغلب الحالات، كانوا يخوضون المزيد من المجازفات.
بادئ ذي بدء، انتقلوا إلى أدوات ائتمانية أكثر خطورة، الأمر الذي أدى إلى ضغط الفوارق في أسعار السندات. وبمجرد دفع العائدات على الأوراق التجارية إلى أدنى مستوياتها، استمر المستثمرون في الاندفاع نحو الأسهم. وما يقرب من 63% من المستثمرين المؤسسيين على مستوى العالم زادوا مخصصاتهم في أسهم الأسواق المتقدمة في الأشهر الستة السابقة لشهر إبريل 2015، وفقاً للبيانات الواردة في دراسة مسح لستيت ستريت ــ حتى برغم أن نحو 60% منهم يتوقعون تصحيحاً للسوق بنسبة 10% إلى 20%.
وحتى المستثمرين الأكثر تحفظاً على مستوى العالم خاضوا مجازفات غير مسبوقة. فقد تخلصت صناديق التقاعد العامة في اليابان، التي تضم الأكبر في العالم، من السندات المحلية بأسعار غير مسجلة من قبل. وإضافة إلى تعزيز الاستثمارات في الأسهم والسندات الأجنبية، زادت الآن من حيازاتها من الأسهم المحلية للربع الخامس على التوالي.
وكانت قرارات التخصيص هذه مفهومة، وذلك نظراً للعوائد التافهة المتاحة في الاستثمارات في الدخل الثابت، ولكن تأثير الدرجة الثانية الناجم عن هذا قد يكون مدمراً في نهاية المطاف.
الآن تبلغ سوق الأسهم الصاعدة ست سنوات. وحتى بعد تقلبات السوق في أعقاب الأزمة في اليونان وهبوط سوق الأسهم الصينية، تبدو التقديرات مرتفعة. وما دامت الريح المواتية المتمثلة في التيسير الكمي العالمي، وأسعار النفط المنخفضة، والمزيد من التدفقات المؤسسية تهب، فقد تستمر أسعار الأسهم في الارتفاع. ولكن عند نقطة ما، سوف يحدث تصحيح حقيقي للسوق. وعندما يحدث هذا فسوف تكون صناديق التقاعد وشركات التأمين أكثر عُرضة من أي وقت مضى للتقلبات في أسواق الأسهم.
ويأتي هذا التعرض المفرط في وقت تعمل فيه الاتجاهات الديموغرافية ضد صناديق التقاعد. ففي ألمانيا على سبيل المثال، حيث 20% من السكان أكبر من 65 عاما، سوف يتقلص عدد البالغين في سن العمل من نحو 50 مليون شخص اليوم إلى أقل من 34 مليون شخص بحلول عام 2060. وبين الأسواق الناشئة، من المرجح أن يؤدي متوسط العمر المتوقع الذي يواصل الارتفاع السريع فضلاً عن انخفاض معدل الخصوبة في مضاعفة حصة الصين من السكان الذين تتجاوز أعمارهم ستين عاماً بحلول عام 2050 ــ وهذا يعني إضافة ما يقرب من نصف مليار شخص يحتاجون إلى الدعم في سنوات حياتهم غير المنتجة.
وإذا تسبب التأثير المجمع الناجم عن الخسائر الحادة في أسواق الأسهم وارتفاع معدلات الإعالة في دفع صناديق التقاعد إلى النضال من أجل الوفاء بالتزاماتها، فإن الأمر سوف يكون متروكاً للحكومات لتوفير شبكات الأمان ــ إذا كان بوسعها أن تفعل. وقد ارتفعت الديون الحكومية كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي بمعدل سنوي بلغ 9.3% منذ عام 2007.
وفي أوروبا على سبيل المثال، لم تكن اليونان الدولة الوحيدة الغارقة في الديون. ففي عام 2014، استمرت مستويات الديون في مختلف أنحاء منطقة اليورو في لارتفاع، فبلغت ما يقرب من 92% من الناتج المحلي الإجمالي ــ وهو أعلى مستوى منذ تقديم العملة الموحدة في عام 1999. وإذا أثبتت صناديق التقاعد والحكومات عدم قدرتها على توفير مستحقات كبار السن، فقد تشهد البلدان في مختلف أنحاء القارة حالة متزايدة الحِدة من عدم الاستقرار الاجتماعي ــ نسخة أوسع نطاقاً من الملحمة الدائرة في اليونان.
كان أمراء التمويل الجدد ناجحين في تحقيق العديد من أهدافهم منذ اندلاع الأزمة المالية قبل سبع سنوات. وهم يستحقون أن ينسب إليهم هذا الفضل. ولكن عندما تندلع الأزمة، فإن الاستجابات السياسية الواسعة النطاق تنتج دوماً عواقب غير مقصودة فتنثر عادة بذور الأزمة الكاملة التالية. ونظراً لاضطرابات السوق الأخيرة، فإن السؤال الآن هو ما إذا كانت الأزمة التالية قد بدأت بالفعل.
* الرئيس التنفيذي لمجموعة جام القابضة (GAM Holding) لإدارة الأصول