منذ الثورة الصناعية، كان التصنيع مفتاح النمو الاقتصادي السريع. ولكن التصنيع اليوم لم يعد كما كان من قبل. فقد أصبح أكثر اعتماداً على رأس المال والمهارات، مع تضاؤل إمكانية امتصاص أعداد كبيرة من الأيدي العاملة من المناطق الريفية إلى حد كبير، ومن المرجح أن تواجه العديد من الصناعات التقليدية، مثل المنسوجات والصلب، أسواقاً عالمية منكمشة، فضلاً عن الفائض في القدرة نتيجة لتحولات الطلب والمخاوف البيئية.
ولكن هل تستطيع صناعات الخدمات أن تلعب الدور الذي لعبه التصنيع في الماضي؟
جوابا على ذلك يُعَد إعجاز غاني وستيفن أوكونيل من البنك الدولي من المتفائلين، اللذين زعما في دراسة حديثة أن صناعات الخدمات من الممكن أن تعمل كطريق سريع إلى النمو، وهو الدور الذي لعبه التصنيع تقليديا، وقد أشارا بشكل خاص إلى أن الخدمات أظهرت «تقارباً غير مشروط» في الإنتاجية مؤخرا، ولكن هناك من الأسباب ما يدعونا إلى القلق. ذلك أن الأدلة التي ساقها غاني وأوكونيل تتضمن بيانات تبدأ في أوائل التسعينيات، حيث شهدت البلدان النامية تقارباً على مستوى الاقتصاد بالكامل. في البلدان النامية اليوم، تمتص الخدمات غير القابلة للتداول، والتي تعمل بمستويات متدنية للغاية من الإنتاجية، القسم الأعظم من العمالة الزائدة، في أنشطة مثل تجارة التجزئة والأعمال المنزلية. ومن حيث المبدأ فإن العديد من هذه الأنشطة من الممكن أن تستفيد من التكنولوجيا الأفضل، والتنظيم المحسن، والمزيد من الطابع الرسمي. ولكن هناك اختلافا ثانيا مؤثرا بين الخدمات والتصنيع. لذا، فأنا أظل متشككاً في قدرة النموذج القائم على الخدمات على تحقيق النمو السريع وتوفير الوظائف المجزية على النحو الذي رأيناه من قطاع التصنيع ذات يوم. وحتى إذا كان المتفائلون التكنولوجيون على حق، فمن الصعب أن نرى كيف قد يعمل هذا على تمكين البلدان النامية من الحفاظ على ذلك النوع من النمو الذي شهدته على مدى العقدين الماضيين.
* أستاذ العلوم الاجتماعية في معهد الدراسات المتقدمة في برينستون بولاية نيوجيرسي