يبدو أن المناقشة بشأن التجارة في الولايات المتحدة سلكت منعطفاً مؤسفا. فبدلاً من مناقشة القضايا التفصيلية استناداً إلى الوقائع الموضوعية، اختارت إدارة الرئيس باراك أوباما التأكيد على الحاجة إلى إجراءات المسار السريع (والمعروفة أيضاً بسلطة الترويج التجاري) للتفاوض على أي اتفاق تجاري. وقد تفوز الإدارة بهذه المعركة، ولكن هذا قد يسفر عن ضرر حقيقي.
تدور المعركة الحالية حول المحتوى الدقيق لاتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ، وهي اتفاقية التجارة الحرة المعقدة التي تضم 12 دولة. ومن المؤسف أن بنود الشراكة عبر المحيط الهادئ تظل سرية ــ وهذا يعني أن عامة الناس لا يستطيعون الاطلاع عليها أو مناقشتها. (ربما يكون بوسع أعضاء الكونجرس أن يطالعوا النص الفني، في ظل ظروف مقيدة، ولكن من غير المسموح لهم وصف محتوياته بالتفصيل).
الواقع أن كل من يثير مخاوف مشروعة حول أي جانب من جوانب الشراكة عبر المحيط الهادئ يوصف على الفور بمناصرة «تدابير الحماية». ويصرح البيت الأبيض بأن الشراكة عبر المحيط الهادئ سوف تعمل على خفض الحواجز أمام صادرات الولايات المتحدة، وبالتالي تزيد من فرص العمل والأجور.
سوف تكون الشراكة عبر المحيط الهادئ بمثابة اتفاقية تجارة حرة مع بروناي دار السلام (التي لا يتجاوز عدد سكانها 500 ألف نسمة) ونيوزيلندا (أقل من خمسة ملايين نسمة).
من المؤكد أن تشجيع الصادرات إلى هذه البلدان أمر مرغوب، ولكن التأثير الاقتصادي على الولايات المتحدة من غير المرجح أن يكون ملموساً على الإطلاق، وبهذا تتبقى ثلاث دول أكبر حجماً حيث القضايا هي الأكثر تعقيدا: اليابان (نحو 125 مليون نسمة)، وماليزيا (نحو 30 مليون نسمة)، وفيتنام (90 مليون نسمة).
تقاوم اليابان خفض الرسوم الجمركية على المئات من السلع الزراعية، بما في ذلك اللحوم الواردة من الولايات المتحدة. وعلاوة على ذلك، عملت الحواجز غير الجمركية لفترة طويلة على عرقلة تصدير السيارات المصنوعة في أميركا إلى السوق اليابانية، على سبيل المثال. ويظل من غير الواضح إلى أي مدى سوف تعمل الشراكة عبر المحيط الهادئ حقاً على فتح السوق اليابانية للمنتجات المرتبطة بالسيارات.
وتتميز اليابان بتاريخ طويل من التدخل في العملة، وإبقاء سعر صرف الين عند مستويات منخفضة لدعم الصادرات وتثبيط الواردات ــ مع ما يترتب على ذلك من عواقب سلبية على الولايات المتحدة، بين بلدان أخرى. الحق أن اليابان لا تمارس مثل هذا النوع من التلاعب بالعملة حاليا، ..
وتمثل الشراكة عبر المحيط الهادئ فرصة جيدة لمطالبة اليابانيين بالالتزام بالتخلي عن هذه الممارسات. ولكن من المؤسف أن إدارة أوباما رفضت سلوك هذا المسار ــ فالتلاعب بالعملة ليس مطروحاً على الطاولة من جانبها، أما عن ماليزيا..
فقد برزت القضايا المهمة المتعلقة بالعمل القسري في قطاع التصدير ــ ولا بد أن يكون الالتزام كاملاً بمعايير العمل قبل أن يتم التوقيع على اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ. وهناك بعض الأسباب التي تدعو إلى التفاؤل في هذا الصدد، ولكن الوعود بتنفيذ التغييرات في معايير العمل بعد دخول اتفاقية التجارة حيز النفاذ نادراً ما يفي بها أحد..
وفي فيتنام، يشكل نقل إعانات الدعم الضخمة المقدمة للشركات المملوكة للدولة إلى قاعدة سوقية قابلها للقياس هدفاً معقولا. كما تُعَد حقوق العمال قضية مهمة. وتدل المؤشرات على أن مفاوضات الشراكة عبر المحيط الهادئ تحرز تقدماً طفيفا ــ وإن كانت التفاصيل الرئيسية والاتفاقات المحتملة تظل سرية للغاية.
ورغم أن أوباما يقول إن الشراكة عبر المحيط الهادئ هي الاتفاقية التجارية الأكثر تقدماً في التاريخ، فإن ساندر ليفين، الديمقراطي البارز في لجنة السبل والوسائل في مجلس النواب ــ وهو شخص يتمتع بالقدرة الكاملة على الاطلاع على النصوص ــ يعترض على تصريح أوباما. فهو يقول إن الوصول إلى الأدوية منخفضة التكاليف في البلدان الفقيرة، على سبيل المثال، سوف يكون مقيدا.
وتؤكد على هذا منظمة أطباء بلا حدود، وهي المنظمة الإنسانية الحائزة على جائزة نوبل. (وقد أثيرت هذه القضايا وأخرى مرتبطة بها في مناسبة أقيمت مؤخراً في مبنى الكونغرس الأميركي، والتي شاركت فيها شخصيا).
وسوف تمنح الشراكة عبر المحيط الهادئ المستثمرين الأجانب أيضاً وضعاً خاصا، فتسمح لهم بإقامة دعاوى قضائية خاصة بالأحكام المالية ضد تنظيمات البلدان المضيفة. ولكن ما الذي قد يجعلنا في احتياج إلى توفير مثل هذه الحماية التفاضلية لشركات غير محلية؟ يظل هذا سراً غير مفهوم. ذلك أن خلق عملية شبه قضائية خارج نظام المحاكم العادية، لفائدة الأجانب فقط، من الممكن أن يؤدي إلى المشاكل في العديد من النواحي.
وكما زعم ليفين مؤخراً في خطاب مفصل ومقنع، يتعين على الولايات المتحدة أن تدير مناقشة كاملة ومفتوحة حول هذه الأبعاد التي يشتمل عليها اتفاق الشراكة عبر المحيط الهادئ. فهي في احتياج إلى مداولات عامة مدروسة ومتأنية حول فقرات الاتفاق، لأنها من الممكن أن تخلف عواقب مهمة بالنسبة للولايات المتحدة وشركائها التجاريين.
وهو خطأ واضح. فإذا أبرمت الإدارة اتفاقية تجارية ثم ساءت الأمور ــ في ما يتصل بحقوق العمال، أو القدرة على الوصول إلى الأدوية، أو إعانات الدعم الحكومية، أو أي شيء آخر ــ فكيف قد يعود هذا بالفائدة على التجارة، أو شركاء أميركا الأجانب، أو الاقتصاد الأميركي؟
* أستاذ في مدرسة سلون للإدارة في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا