بعد فترة وجيزة من توليه منصبه عام 2012، قدم رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي خطة ضخمة للتحفيز المالي، وأرسى برنامجاً جريئاً للتيسير النقدي، وذلك ضمن مساعيه لتنشيط الاقتصاد الياباني. ومنذ ذلك الحين، يعمل صانعو السياسات في اليابان على إطلاق ما يسميه آبي السهم الثالث في أجندته، والذي يتمثل في إجراء إصلاحات شاقة قاسية في الصناعات الرئيسة، وتقويض العوائق الهيكلية التي تعترض طريق النمو.

بيد أن التركيز على السياسة العامة تسبب في الانصراف عن "سهم رابع" ــ ألا وهو القطاع الخاص ــ وتجاهله فيما يبدو. وهذا مما يؤسف له، لأن الحكومة بمفردها لا تستطيع أن تعالج أمراض اليابان. فعلى مدى القسم الأعظم من العقدين السابقين، ظل معدل النمو السنوي للإنتاجية متباطئا، إذ نادراً ما تجاوز حاجز 2%، مما عكس فرصاً ضائعة وتدهوراً في تنافسية التكلفة.

وتعتمد قدرة اليابان على تحويل مسارها على اتخاذ الشركات الخاصة قرارات بالاستثمار، وتغيير سياسات أماكن العمل، ونشر تقنيات جديدة، واختبار نماذج للأعمال غير مجربة. إذ لا تزال إصلاحات آبي الهيكلية بحاجة إلى الوقت والإرادة السياسية لتحويلها إلى تشريعات وقوانين، لكن الشركات اليابانية لا تستطيع الانتظار دون حراك. فهي قادرة على أن تعمل ويجب أن تعمل، دون أن تنتظر إلى أن تغير الحكومة سياساتها. فالاختناقات الاقتصادية في حالات كثيرة لا تكون تنظيمية بطبيعتها، بل تنشأ من الأساليب الراسخة والبالية المتبعة في تنفيذ الأعمال.

مؤخرا، قدم معهد ماكينزي غلوبال بحثاً جديداً يفحص الصناعات المتقدمة، وخدمات التجزئة، والخدمات المالية، والصناعات المتعلقة بالرعاية الصحية في اليابان بشكل تفصيلي ــ وقد وجد أن هناك إمكانيات إنتاجية هائلة غير مستغلة في كلٍ من هذه المجالات.

كبداية، يتحتم على الشركات اليابانية أن تصبح أكثر اندماجاً مع العالم. حيث تدير هذه الشركات قدراً هائلاً من عمليات البحث والتطوير، لكن تحتاج معظم الشركات إلى إعادة تشكيل هذه العمليات لتحقيق عوائد أكثر وإحداث تأثير أفضل. ويجب أن تبدأ هذه العملية بفهم ما يريده العميل، مع تصميم على تقديم حلول تتفق مع رغباته. كما يجب تحويل عمليات البحث والتطوير المغلقة التي يغلب الجمود على إدارتها إلى عمليات سلسة مفتوحة تنطوي على تعاون مع العملاء والموردين.

لا تزال شركات يابانية كثيرة بحاجة إلى رقمنة العمليات القائمة على استخدام الأوراق، وتغيير نظم تكنولوجيا المعلومات العتيقة. وقد تستفيد شركات أخرى من تجاوز حدود الرقمنة الأساسية إلى تقنيات الجيل التالي مثل تحليلات البيانات الضخمة. كما يمكن للشركات أيضاً تفادي أزمات نقص العمالة الوشيكة باستخدام نظم برمجيات وروبوتات ذكية. ويمكن للمصنعين دعم خطوط الإنتاج التجميعية أو الاستعاضة عنها بتقنيات مثل إنترنت الأشياء والطباعة الثلاثية الأبعاد ، وبشكل أكثر عموما، يتحتم على الشركات اليابانية أن تضع خططاً للأداء والانضباط. فمع تحرير قوى السوق نتيجة لتغيير السياسيات، ستواجه الشركات منافسة أكبر. وقد تحتاج بعضها لإعادة التنظيم أو الخروج من الأسواق غير المربحة، وقد تضطر شركات أخرى إلى الاتجاه نحو عمليات الاندماج والاستحواذ لتحقيق اقتصاديات العمليات الضخمة.

أخيرا، ينبغي لحاملي الأسهم وكبار التنفيذيين أن يربطوا أهداف الأداء بالحوافز. وقد بدأت بالفعل بعض الشركات اليابانية العملاقة في التحول من نظام الترقية القائمة على الأقدمية إلى تطبيق هياكل أجور تعتمد على الجدارة. وينبغي للشركات الأخرى أن تحذو حذوها. فترقية المواهب الأصغر والأكثر تنوعاً كفيلة بإيجاد مؤسسات رشيقة ذات أفكار متجددة.

إذا نجح القطاع الخاص في اليابان في التصدي لهذا التحدي، فبوسعه أن ينقل الاقتصاد إلى مسار نمو أسرع. إذ أن إدخال تجديدات وابتكارات في شركة واحدة قد ينعكس بقوة على صناعة بأكملها بإجبار المنافسين على السعي للارتقاء بأدائهم. فعلى سبيل المثال، خلال خمسينيات وستينيات القرن العشرين، قدمت تويوتا عمليات إنتاج أكثر كفاءة، تبنتها في النهاية صناعة السيارات بأكملها.

ينبغي لقادة الشركات اليابانية أن يمزجوا التخطيط الطموح باهتمامٍ مركز على التفاصيل. وسوف يكون لزاماً عليهم أن يعملوا على ابتكار منتجات مبدعة، واختراق أسواق جديدة، وإطلاق استثمارات جريئة في المعدات والتكنولوجيا والمواهب، مع فحص كل وجه من أوجه عملياتهم في الوقت ذاته بحثاً عن مظاهر القصور والإهمال.

ربما يكون نبذ الطرق التقليدية لمباشرة الأعمال أمراً واجبا. ولكن هناك مجال فسيح لإحراز التقدم وتحفيز النمو الاقتصادي الأسرع. فهناك تغير سريع في هيئة الاقتصاد العالمي بفضل التدفقات التجارية الضخمة، وظهور مليارات العملاء الجدد في العالم الناشئ، والاختراقات التكنولوجية. وبوسع اليابان أن تحول مسارها الحالي بتحويل هذه الموجة من تعطل النماذج القائمة إلى فرصة.

 

* أستاذ بكلية الدراسات العليا لإدارة الأعمال بجامعة كيو، ومسؤول سابق بوزارة المالية اليابانية

**الشريك المدير لمكتب شركة ماكينزي آند كومباني باليابان