منذ اندلاع الأزمة الاقتصادية في أوروبا قبل أكثر من أربع سنوات، ارتفعت أصوات الساسة والخبراء في المطالبة بحل كبير مهيب، وكثيراً ما يستحضرون مثال خطة مارشال الأميركية في فترة ما بعد الحرب، والتي ساعدت بداية من عام 1948 في إعادة بناء اقتصادات أوروبا الغربية المحطمة المبتلاة بالديون. ولكن اللحظة السياسية لم تكن مواتية قط. ويبدو أن هذه الحال توشك أن تتغير.

الواقع أن موقف أوروبا اليوم يحمل بعض أوجه التشابه مع موقفها في أربعينيات القرن العشرين. والواقع أن حكومات منطقة اليورو المثقلة بالديون العامة المتراكمة بفضل أخطاء الماضي تعرف ماذا يتعين عليها أن تفعل، ولكنها لا تعرف كيف تفعله.

وهي لا تثق في بعضها البعض إلى الحد الذي يسمح لها بالتعاون فيما بينها. ومن ناحية أخرى، أصبح الطلب في أغلب بلدان الاتحاد الأوروبي ضعيفاً، حتى بات من المستبعد تحقيق النمو الاقتصادي اللازم لسداد الديون وتقديم الأمل لنحو 25 مليون عاطل عن العمل. كانت الشكوك التي تتسم بضيق الأفق العقبة الرئيسية التي تحول دون التوصل إلى حل أكبر.

فلم يرغب دافعو الضرائب في أي دولة في الشعور بأنهم يدفعون ثمن تجاوزات آخرين: ولم تفرض العملة الموحدة حس المسؤولية المشتركة. وعلى هذا فقد سعت الدول الدائنة بقيادة ألمانيا إلى القيام بالحد الأدنى اللازم من الجهد لإبقاء اليورو على قيد الحياة، في حين تذمرت البلدان المدينة في عجز إزاء إصرار ألمانيا على التقشف المالي.

ولا يتفق الجانبان بشأن طبيعة المرض الأوروبي، وعندما يغيب الاتفاق على التشخيص، يصبح من الصعب الاتفاق على العلاج.

ويبدو أن اليونانيين مستعدون لانتخاب حكومة يهيمن عليها حزب سيريزا اليساري المتطرف في الخامس والعشرين من يناير، وهو الحزب الذي نادى بالانفصال عن اليورو ذات يوم ولكنه يتعهد الآن بالتفاوض على إعادة هيكلة ديون اليونان. وفي اسبانيا، كان الحزب الأكثر شعبية قبل الانتخابات العامة المقررة في نهاية هذا العام، والذي تأسس في يناير 2014 فقط، هو حزب بوديموس الذي يحمل وجهات مماثلة لحزب سيريزا.

ومن المتوقع أن تؤدي انتخابات المملكة المتحدة في مايو إلى إزعاج الوضع الراهن في أوروبا من خلال التركيز على التساؤل حول التوقيت الذي يتعين فيه على بريطانيا أن تعقد استفتاءً على ترك الاتحاد الأوروبي.

ويثير هذا الصخب السياسي الدول الدائنة، وهو ما ينعكس في وتيرة التحذيرات الصادرة عن ألمانيا بأن أي حكومة يونانية جديدة لابد أن تلتزم بالاتفاقات القائمة. وهذا مؤشر أكيد على أن ألمانيا تخشى أن حزب سيريزا لن يلتزم بالاتفاقات. وبدأت المساومات.

ولابد أن يساعد مرور الوقت في هذه المساومة. وكانت الصيغة الألمانية لحل أزمة اليورو تتلخص في الإصرار على شد الحزام المالي والإصلاحات البنيوية للحد من الإنفاق العام في المستقبل على معاشات التقاعد والأجور، وجعل أسواق العمل أكثر مرونة، وتعزيز الإنتاجية.

ونتيجة لهذا، أصبح من الممكن من الناحية السياسية أن نقول إن الدول المدينة تلقت عقابها وجعلت اقتصادها أكثر قدرة على المنافسة. وفي أيرلندا، انتعش النمو الاقتصادي بقوة، وفي اسبانيا والبرتغال باعتدال، وفي اليونان بقدر ضئيل. وما يعطل هذه الاقتصادات وغيرها من الاقتصادات الأوروبية الآن هو الطلب الضعيف في منطقة اليورو ككل.

وهذا هو السبب وراء الاحتياج إلى نسخة حديثة من خطة مارشال. ومن الناحية السياسية، قد يكون من الذكاء أن تبادر المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل باقتراح مثل هذا الحل الأكبر، بدلاً من الاضطرار إلى تنازلات تدريجية مترددة من قِبَل الحكومات الجديدة في اليونان واسبانيا ودول أخرى.

بل ومن الأذكى أن تُطرَح هذه المبادرة بالاشتراك مع زعماء الاقتصادات الأوروبية الكبيرة الأخرى: الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند الذي ربما أصبح بعد الهجمات الإرهابية في وقت سابق من هذا الشهر متقبلاً بشكل خاص للجهود الرامية إلى تعزيز الوحدة والنمو الاقتصادي، ورئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون الذي سيرحب بأية علامات تشير إلى الإصلاح الأوروبي. ولابد أن تتألف خطة مارشال الحديثة من ثلاثة مكونات رئيسية.

فأولاً، لابد من إعادة هيكلة الديون السيادية في منطقة اليورو لتخفيف معاناة اليونان وإسبانيا. وثانياً، لابد من ابتكار برنامج للاستثمارات العامة الممولة جماعياً، على أن يركز على الطاقة وغير ذلك من مشاريع البنية الأساسية.

وثالثاً، لابد من وضع جدول زمني لإتمام إصلاحات تحرير السوق الموحدة ــ وخاصة في قطاع صناعات الخدمات وقطاع الاقتصاد الرقمي.

في ألمانيا، سوف تشكل مسألة إعادة هيكلة الديون المكون الأكثر إثارة للجدال. ولكن ينبغي للألمان أن يتذكروا أنه إلى جانب أموال خطة مارشال لأوروبا الغربية، كانت الدفعة الكبيرة الأخرى لتحقيق التعافي الاقتصادي في ألمانيا في فترة ما بعد الحرب نتيجة لإعادة هيكلة الديون.

ورغم أن شطب ديون منطقة اليورو ليس بالمسألة السهلة من الناحية السياسية، فقد يكون من الممكن إعادة تمويل نسبة كبيرة بالاستعانة بسندات اليورو الأطول أجلا، والتي تكتتب فيها كل بلدان منطقة اليورو. وما يشكل أهمية حاسمة هو أن يمتد هذا العلاج إلى كل بلدان منطقة اليورو لا أن يخصص لدولة واحدة (اليونان).

لا شك أن خطة مارشال الحديثة سوف تواجه جداراً من التشكيك والعرقلة من قِبَل جماعات المصالح الوطنية. ولكن من خلال الوقوف معاً يصبح بوسع المسؤولين الأوروبيين الفوز في هذه المعركة. وإذا لم تُجَرَّب هذه الخطة الآن فقد لا يغفر الأوروبيون في المستقبل لزعماء اليوم أبداً.

 

* رئيس تحرير مجلة الإيكونوميست سابقاً، والمنتج التنفيذي لفيلم «الكارثة الأوروبية العظمى»