لقد كان الأوكرانيون يخاطرون بحياتهم قبل سنة من الآن في ميدان الاستقلال في كييف من أجل الدفاع عن اتفاقية كانت ستقرب بلادهم للاتحاد الأوروبي ولقد أنهت تلك الانتفاضة نظاماً فاسداً وجلبت للسلطة - بعد انتخابات حرة ونزيهة- ما يبدو أنها أكثر حكومة أوكرانية ذات توجهات إصلاحية مقارنة بأي وقت مضى.
ربما كان يتوقع المرء ان الالتزام البطولي للأوكرانيين بالمثل الديمقراطية لأوروبا سوف يؤدي الى دعم غربي كبير لأوكرانيا في معركتها ضد العدوان الروسي وانعدام الاستقرار الاقتصادي ولكن هذا لم يحدث وبالرغم من القرار الشجاع لآخر قمة لقيادة الاتحاد الأوروبي لسنة 2014 بالإبقاء على مقاربتها فيما يتعلق بالعقوبات ضد روسيا، الا انها لم تقدم شيئاً يذكر بالنسبة للمساعدات المقدمة لأوكرانيا.
ان دونالد تاسك رئيس الوزراء البولندي السابق والذي كان يترأس أول قمة له كرئيس للمجلس الأوروبي يدعم المزيد من التمويل لأوكرانيا ولكن وكما تقول صحيفة الفايننشال تايمز فإن رغبة العديد من دول الاتحاد الأوروبي بتقديم الأموال لا تزال «فاترة في احسن الأحوال».
عندما واجه القادة الأوروبيون أزمة الديون في منطقة اليورو، اكتفوا بتأجيل القرارات الحاسمة عن طريق حلول قصيرة المدى وكانت النتيجة ركوداً عميقاً ومطولاً لا داعي له والآن فإن هؤلاء القادة على وشك ارتكاب الخطأ نفسه في أوكرانيا مع عواقب محتملة أكثر خطورة.
لكن هذه الإصلاحات يمكن ان تنجح فقط في جو من الاستقرار المالي ونظراً لأنه يتم تمويل العجز المالي من خلال طبع الأموال فالتضخم عالي والهريفنيا –عملة أوكرانيا- قد انخفضت قيمتها (وان كان هذا الانخفاض اقل بكثير من انخفاض الروبل الروسي). إن وجود حزمة مساعدة خارجية تكون كبيرة بما يكفي لاستعادة الثقة والتقليل من الشكوك المتعلقة بالتمويل تعتبر شرطاً مسبقاً من اجل إصلاح هيكلي ناجح.
ان الشرط المسبق الآخر هو الشرعية السياسية، فالإصلاح يحتاج الى تضحيات جسام من المواطنين وفي اماكن اخرى من وسط وشرق اوروبا كان المواطنون على استعداد لقبول مثل تلك التضحيات بسبب ان المساعدة المالية السخية من الغرب وإمكانية الحصول على عضوية الاتحاد الأوروبي اعطتا مصداقية للوعد بالديمقراطية والرخاء المستقبلي.
يجب أن يشعر الأوكرانيون انه يتم تقاسم الألم المرتبط بالتكيف بشكل عادل وهذا يعني ان الاوليغارشية في اوكرانيا يجب ان تكون خاضعة بعد طول انتظار لحكم القانون ولكن اذا اخذنا بعين الاعتبار ان اوكرانيا الحرة والمستقلة والمزدهرة هي مصلحة استراتيجية لأوروبا فإنه يتوجب على حكومات الاتحاد الأوروبي اقتسام عبء الإصلاح المالي. إن التمويل الذي سوف تحتاجه أوكرانيا من اجل تحقيق الاستقرار للاقتصاد خلال السنوات الأربع المقبلة يبدو زهيداً مقارنة بما يزيد على 300 مليار دولار اميركي من مصادر مختلفة والتي تم تخصيصها من اجل انقاذ اليونان وهي دولة فيها أشياء اقل بكثير على المحك من الناحية الاستراتيجية.
خلال الأزمات المالية السابقة من المكسيك سنة 1994 الى جنوب أوروبا مؤخراً اثبت المجتمع الدولي انه يمكن ان يكون خلاقاً عندما يتعلق الأمر بإيجاد الآليات من اجل تمرير اموال الطوارئ. ان هذا يوحي بإن المشكلة اليوم ليست عدم كفاية الأموال أو القيود المؤسساتية ولكن نقص الإرادة السياسية.
إن المتشككين في الاتحاد الأوروبي والحكومة الألمانية يقرون بإن محنة أوكرانيا قد أصحبت ملحة ولكنهم يخافون من ان الأموال سوف تضيع بسبب غياب الإصلاحات الشاملة. ان الساخرين يضيفون سراً ان التضخم السريع ربما ليس بالأمر السيئ نظراً لأنه سوف يجبر السياسيين على الإصلاح ولكن هذا الطرح يتجاهل التاريخ فأوكرانيا عانت من التضخم السريع في التسعينات فقط لتنتخب حكومات برئاسة الرئيس ليونيد كوتشما والذي تسبب سوء الحكم في عهده في الثورة البرتقالية سنة 2004 والرئيس فيكتور يانوكوفيتش والذي تمت الإطاحة به في فبراير 2014. إن من الواضح ان الآراء التي تعكس الرضا الزائد عن الحد هي مضللة وخطيرة إلى حد كبير. ان من غير الممكن ان نضمن جهود الإصلاح مقدما ولكن هناك عاملا يضمن الفشل – ويؤدي الى الاضطرابات السياسية والاقتصادية- وهذا العامل هو عدم الاستقرار المالي.
إن الحكومة الحالية في أوكرانيا لديها تفويض انتخابي غير مسبوق من اجل التغيير ولقد جندت للخدمة العامة بعضاً من افضل وأذكى المواطنين (بما في ذلك من الشتات الأوكراني) من اجل القتال بالحرب ودرء خطر الانهيار الاقتصادي في الوقت نفسه.
* وزير مالية سابق في تشيلي