لفترة طويلة، كان التحرك للحد من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون وتخفيف حِدة تغير المناخ يُعَد متعارضاً بشكل جوهري مع النمو الاقتصادي. وكثيراً ما يستشهد بهشاشة التعافي الاقتصادي العالمي كمبرر لتأخير مثل هذا التحرك.
ولكن التقرير الحديث الذي أصدرته المفوضية العالمية للاقتصاد والمناخ بعنوان «اقتصاد المناخ الجديد: نمو أفضل ومناخ أفضل»، يدحض هذا المنطق. فقد خلص هذا التقرير إلى أن الجهود الرامية إلى مكافحة تغير المناخ لا تضر بالنمو الاقتصادي، بل إنها في حقيقة الأمر من الممكن أن تساعد في تعزيز النمو إلى حد كبير ــ وفي وقت بسيط نسبياً.
وكل من درس الأداء الاقتصادي منذ اندلاع الأزمة المالية في عام 2008، يدرك أن الضرر الذي لحق بالميزانيات العمومية ــ مثل الديون المفرطة والخصوم غير الممولة التي لا علاقة لها بالدين ــ من الممكن أن يدفع النمو إلى التباطؤ، أو التوقف المفاجئ، بل وحتى الانتكاس.
ويعلم المطلعون على النمو في البلدان النامية أن نقص الاستثمار في رأس المال البشري والبنية الأساسية والقاعدة المعرفية والتكنولوجية للاقتصاد من الأسباب التي قد تفضي في نهاية المطاف إلى ميزانيات عمومية غير قادرة على دعم النمو المستمر.
ولا يختلف تغير المناخ كثيراً عن أنماط النمو المعيبة وغير المستدامة هذه. فهو أيضاً يمثل مشكلة موازنة عامة في الأساس، تقوم على المخزون من ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي.
وعلى المسار الحالي، فلن يمر على العالم سوى ثلاثة إلى أربعة عقود من الزمان قبل أن يبلغ ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي مستويات كافية لتعطيل أنماط المناخ، مع كل ما يترتب على ذلك من عواقب مأساوية مدمرة للبيئة وبالتالي الأنظمة الاقتصادية والاجتماعية.
والواقع أن السماح لرأس المال الطبيعي ــ الموارد والأنظمة الإيكولوجية البيئية التي ترتكز عليها هذه الأنظمة ــ بالنضوب يُعَد في الأساس شكلاً آخر من أشكال نقص الاستثمار المدمر.
إن الكم الهائل من الأدلة العلمية التي تدعم التوقعات المناخية الحالية يجعل من غير المرجح أن يتخلى العالم عن التكيف تماماً.
ولكن حل مشاكل التنسيق والتوزيع المعقدة التي سوف تولدها مثل هذه التعديلات لن يكون سهلا، والواقع أن صناع السياسات، الذين هم على اقتناع بأننا لا نستطيع أن ندبر استراتيجية قوية لتخفيف آثار تغير المناخ في وقت حيث نواجه العديد من التحديات الأخرى الملحة، ربما يستسلمون لإغراء تأجيل العمل على الأرض.
كيف ننتقل إذاً إلى مسار منخفض الكربون؟ يشير التقرير إلى الفوائد المترتبة على تشييد المباني الموفرة للطاقة والبنية الأساسية اللازمة لدعم الاقتصاد العالمي المنخفض الكربون بحلول عام 2050، ودمج الاستراتيجيات المنخفضة الكربون في عمليات التخطيط الحضري، واستغلال إمكانات الإنترنت المعززة للكفاءة.
وإذا أضفنا إلى هذا انخفاض تكاليف مصادر الطاقة البديلة والتقدم التكنولوجي الحثيث، فلن تصبح أهداف خفض الكربون بعيدة المنال ــ أو مكلفة.
وبعد تقييم التقنيات والخيارات السياسية والتحليلات الواردة في التقرير، فقد يستنتج المرء أن مسارات النمو المنخفض الكربون قد تكون منخفضة قليلاً في الأمد القريب مقارنة بالمسارات المرتفعة الكربون، في ظل استثمار أعلى واستهلاك منخفض. ورغم هذا فمن الصعب أن نحكم عليها بأنها أدنى مرتبة، نظراً لمزاياها في الأمدين المتوسط والبعيد.
كما يسلط التقرير الضوء على سؤال آخر مهم في المناقشة بشأن المناخ: هل يشكل التعاون العالمي أهمية بالغة للتخفيف من حدة تغير المناخ؟ وإذا تعاملنا مع أي اقتصاد بعينه، فهل يفضي العمل المنفرد إلى مسارات نمو متدنية بوضوح ــ ولنقل من خلال الإضرار بالقدرة التنافسية التي تتمتع بها قطاعاته القابلة للتداول؟
إذا كانت الإجابة هي «أجل»، فإن التنسيق السياسي الدولي سوف يبدو شرطاً مسبقاً ضرورياً لتحقيق التقدم.
لقد أزالت الأدلة العلمية الشكوك المشروعة بشأن حجم المخاطر التي يفرضها تغير المناخ. والآن، يدحض تحليل المفوضية العالمية إلى حد كبير الحجج الاقتصادية الداعمة للتقاعس عن العمل. وإذا أضفنا إلى هذا القلق العام المتزايد بشأن تغير المناخ، فسوف يتبين لنا أن العمل الحاسم ربما بدأ بالفعل.
* حائز على جائزة نوبل في علوم الاقتصاد، وأستاذ الاقتصاد في كلية شتيرن لإدارة الأعمال بجامعة نيويورك، وكبير زملاء معهد هووفر، وأحدث مؤلفاته كتاب «التقارب التالي: مستقبل النمو الاقتصادي في عالم متعدد السرعات».