»إن معلوماتك الجينية لابد أن تكون تحت سيطرتك أنت وحدك«، هكذا يقول إعلان لشركة الاختبارات الوراثية الأميركية التي تتعامل مع المستهلك مباشرة »23 وأنا« »23and Me«. وفي خضم ضجة التنصت الإلكتروني، فإن الفكرة القائلة بأن الأفراد لابد أن يقرروا بأنفسهم من يستطيع الوصول إلى بياناتهم الشخصية تكتسب جاذبية خاصة. ولكن يظل من المشكوك فيه على أفضل تقدير ما إذا كانت شركة »23 وأنا« تمارس ما تعظ به حقاً.

الواقع أن حتى بعض »الليبراليين تكنولوجيا«، والذين يعتقدون أن الحكومة لا ينبغي لها أن تتدخل لتنظيم التطورات الجديدة في مجال التكنولوجيا الحيوية، أيدوا القرار الذي اتخذته إدارة الأغذية والأدوية في الولايات المتحدة - والذي ورد في رسالة لاذعة وجهتها إلى الرئيسة التنفيذية للشركة آن فوجسيكي في نوفمبر الماضي - بمنع الشركة من تسويق اختباراتها في انتظار المزيد من التحاليل العلمية.

وتتعرض الشركة أيضاً لانتقادات حادة من مستخدميها. فبعد خمسة أيام فقط من رسالة إدارة الأغذية والأدوية، أقامت ليزا كيسي وهي سيدة من كاليفورنيا دعوى تعويض فئوية ضد الشركة بمبلغ 5 ملايين دولار، زاعمة أنها تمارس دعاية كاذبة ومضللة.

إن الشكوك المحيطة بخدمات الجينوم الشخصية التي تقدمها الشركة لم تنشأ حديثاً. ففي عام 2008، اعتمدت الجمعية الأميركية لعلوم الأورام السريرية تقريراً أعلن أن النمط الجزئي من التحليل الجيني والذي تقدمه الشركة لم يثبت فعاليته سريرياً في علاج السرطان. وبعد عامين، خلص مكتب المساءلة التابع للحكومة الأميركية بعد تحقيق مطول أن الاختبارات الجينية المباشرة للمستهلكين تقدم نتائج »مضللة«، وهو الوضع الذي زاده »التسويق المضلل« تعقيداً.

وكانت شركة »23 وأنا« تعرض اختباراً تكلفته 99 دولاراً لنحو 250 حالة مترابطة وراثياً، استناداً إلى قراءة جزئية لنوكليوتيد أحادي متعدد الأشكال، ويشير إلى حيث تختلف الصور الجينومية للأفراد بزوج أساسي منفرد من الحمض النووي. ولأن الاختبارات الجينية المباشرة للمستهلكين تستهدف جزءاً ضئيلاً فقط من ثلاثة مليارات علامة يحتوي عليها الجينوم البشري، ولأن الشركات المتعددة تأخذ عينات مختلفة من النوكليوتيد الأحادي المتعدد الأشكال، فإن الاختبارات المختلفة قد تنتهي إلى نتائج متباينة لنفس العميل، والذي قد يتخذ وفقاً لذلك قرارات طبية خطيرة استناداً إلى معلومات غير دقيقة.

وبتقديم هذه المعلومات، يشيد عملاء الشركة »بنكاً حيوياً« قيماً لها. ولأن الولايات المتحدة قررت عدم إنشاء بنكاً حيوياً وطنياً كذلك الذي أنشأته المملكة المتحدة، نظراً لتكاليف الإنشاء الباهظة ــ والتي تقدر بنحو مليار دولار - فإن شركة »23 وأنا« قد ترى في بنكها الحيوي المتنامي توفيراً هائلاً للنفقات.

وقد وافق نحو 60% من عملاء الشركة على تقديم المعلومات المطلوبة. فبطبيعة الحال، قد يزعم المرء أن هؤلاء ليسوا »جمهوراً جاهلاً«، ولكنهم متطوعون يؤثرون على أنفسهم، وأسخياء في واقع الأمر إلى حد أنهم بعيداً عن الدفع في مقابل الخدمة يسلمون الشركة قيمة عملهم اللاحق في توفير البيانات الوبائية.

وهذه هي المشكلة على وجه التحديد كما يرى تشارلز سيف. ذلك أن المخزون الضخم الذي تراكم لدى شركة جوجل من بيانات الشركات من خلال كل عمليات البحث الفردية أصبح الأصل الأكثر قيمة لديها. ويقول تشارلز سيف: »من خلال توزيع المعلومات لمساعدة المعلنين في استهداف عملائهم، سواء بموافقتك أو من دونها، تجمع شركة جوجل أكثر من 10 مليارات دولار كل ربع عام«. وبعبارة أخرى، تحول المستخدمون إلى منتج.

 

* أستاذة أخلاق مهنة الطب الفخرية في جامعة لندن ومؤلفة كتاب »الطب الشخصي في مواجهة الطب الجماعي«