الشورى ليست عيباً ولا منقصةً في حق المشاور، بل هي عزٌّ وفخرٌ لكلِّ من يتمسّك بعراها ويعمل بها، فما قامت الممالك الكبرى التي سبقتنا إلا بها وما سقطت إلا بسبب تركها لها ولم تجعلها منهاجاً، وهكذا حال الناس، فالعاقل اللبيب منهم من اتخذها وسيلةً له للوصول إلى آماله وإدراك أحلامه، وأعجب من ذلك أنّ الشورى أصل في هذه الشريعة السمحة، ولهذا فإنّي لا أقطع أمراً جامعاً يهمُّ مملكتي إلا بعد أن ينظر إليه أهل الرأي والعلم والخبرة، فإن صوّبوه أخذته وأمرتُ به وإن رأوه خطأً فإنّي أهمله ولا أفكّر فيه، وإنّي أفكّر أن أجعل مجلس أهل الرأي والشورى ثابتاً باقياً في عهدي وكل من يأتي بعدي من الملوك، وكم أعجبني اجتماع الرجل والإخوة الثلاثة والزوجة العاقلة تستمع إليهم من وراء حجاب، تعينهم بفكرها الفذّ وهم يتشاورون في أمرهم ويتخذون أفضل تدبير لمواجهة الغريب، يقول هذا الملك الحكيم لوزيره المخلص.

 

قال الوزير: والله يا مولاي منذ عرفتك وأنت لا تستأثر بالرأي دوننا، بل أمرك شورى وتحرص على الاستماع إلى الآراء فلا تأمر بشيء إلا وأنت تعرف أوله وآخره ومدخله ومخرجه، وهذا من توفيق الله لك ولشعبك، متّعنا الله ببقائك.

قال الملك الحكيم: يا وزيري رأيت هؤلاء في أول القصة متفرقين وقد نزغ الشيطان بينهم، وانظر كيف أصبحوا متآزرين متعاونين على ما ينفعهم وإنّ النصر لا محالة حليفهم، فأخبرني ماذا جرى بعد ذلك؟

 

قال الوزير: بات الرجل والأخ الأصغر في بيت أخيه الأوسط واتفقوا على الاجتماع صباحا، فلّما أصبحوا بكّر الأخ الأوسط وذهب إلى عالم المياه وطلب منه أن يبدأ بالحفر عن الماء في أرضه وأرض جاره ويشقّ مجاريه حسب الاتفاق، وقد أنشده شعراً لأخيه الصغير ليغنّي به العمّال وهم يحفرون فيسمعهم الغريب ويموت غيظاً وقد يتهوّر بعد ذلك، يقول:

 

يا سائلاً عنّا هـــــــداكَ اللهُ

  النورُ منْ أمجادنا أشـــــباهُ

حتى شعاع الشمسِ قد أخفاهُ

    نعينُ من يحتاجُ لا ننســــاهُ

ونقطعُ الظلومَ من يمــــناهُ

 

وقد طلب منه أن يكرّروا الشطر الأخير حتى يدبّ الهلع في قلب الغريب، ثم عاد إلى بيته فوجد الرجل وأخويه ينتظرونه وتم توزيع المهمّات بينهم.

 

قال الملك: وماذا فعلت زوجة الأخ الأوسط؟ قال الوزير: لقد ذهبت إلى زوجة وليّ عهد الملك المنصور التي كانت صديقةً لها في صغرها، ولم تزرها منذ زواجها منه خشيةً أن تظنّ أنّها تريد منها مساعدةً وهم في خيرٍ عريضٍ من خير الأرض التي لا تشابهها أرض في المملكة ولكنّ الغريب أفسد فيها بمكره، فلّما رأتها زوجة ولي العهد رحّبت بها وأكرمتها ثم قالت: إنّي عاتبةٌ عليك لأنّك لم تقومي بزيارتي منذ يوم زواجي وهذا لا يجوز بين الأصدقاء والأهل، ولا يصحُّ أن تهجر النساء العاقلات من أمثالك زوجات الملوك وأولياء العهود.

قالت الزوجة العاقلة الأديبة: الحق يقف إلى جانبك يا مولاتي والتقصير منّي، وإنّي جئتك اليوم في أمرٍ خطيرٍ.

قالت: وما هو؟ فأخبرتها الزوجة العاقلة بما حصل، ثم انصرفت عنها بعد أن ضمنت أنّ العامل سيكون في مأمنٍ من شرّ الغريب والقاضي الجديد، إلا أنّها قالت لها بوجهٍ حزينٍ: يا صديقتي العاقلة إنّ الملك المنصور يقيم العدل على أقرب المقرّبين منه، ولهذا لا تأملي إلا في عدل الملك سواء كان الحق لكم أم عليكم.

 

بعد ساعات سمع الغريب العمّال وهم يغنّون بهذا الشعر فوقع في قلبه وأثّر فيه، وشعر بالخوف فأرسل أحد عمّاله يتجسس عليهم ويعرف أخبارهم، فلّما علم ما يصنعون هرع إلى سيّده وأخبره الخبر، فلعنه ولعن الإخوة وأدرك أنّ كلّ مكره سيفشل وقد يدخله السجن إن شهد عليه عامله، فما كان منه إلا أن أسرع إلى جهة دار القضاء والرجل كان يراقبه..

وللمقالة بقيّة.