يظنّ بعض الناس أنه عندما يمتطي الخيل العِراب ويعلو كعبه في السباقات على باقي الكعاب بأنه صار فارساً مغواراً لا يُشق له رهَجٌ وسوف تظلّ غايته مرفوعةً خفّاقةً لا يخفضها خافض مُعوَّذة ً منيعةً ولكنه غاب عنه بأنّ كلّ من امتطى فرساً فهو فارس لغةً ولكنّ العرب تعوّدت أن لا تطلق لقب "الفارس" حتى يجتمع فيه أفضل معاني الفروسية وأكملها فيقولون حينئذ فارس من فرسان العرب، أما من سواه فيسمونه راكباً وإن كان هو فارس في اللغة وإلا لكان معظم الناس فرساناً لأنّ الخيل يتنافس على اقتنائها كل من يستطيع من العرب، وقد فسّر هذا الأمر سيدي الشيخ "محمد بن راشد" بألفاظٍ قليلةٍ فقال يخاطب نجله الشيخ "حمدان":

انته على ذوقي رسمتك معاني

                              وعوّدتني "حمدان" تحقيق الامالْ

ما كل كفّ تروم قبض العنانِ

                               ولا كل فارس يركب الخيل خيّالْ

 

وإذا تأملت البيتين وابتعدت عن التفسير اللغوي ستعرف أنّ الشيخ "محمّد" يشير إلى أنّ هناك من يُولّى الأمر ولكن لا يستطيعه بل لا تقدر يده أن تملك عنانه فيوجهه لضعفه وقلة مقدرته، وكذلك يوجّه ابنه الشيخ"حمدان" على أنّ الفروسية ليست ركوب الخيل فقط بل هي أكبر من ذلك بكثير، وقد علمت آنذاك من هذا البيت أنه سيكون له شأن كبير عند والده بسنوات قبل توليته والشيخ "حمدان" سرُّ أبيه حفظهما الله.

 

سباقات القدرة

بدأت سباقات الأخيال منذ زمنٍ بعيدٍ لا يمكن تحديده وعُرف العرب بها وتنافسوا فيها بشكل عجيب منذ بداياتهم التى سجلّت في التاريخ حتى بلغت بهم الحروب من مثل حرب داحس والغبراء، وقد تعددّت أشكالها وأمَدُها (مسافاتها) وأوقاتها فمن مسافات قريبة إلى مسافات بعيدة كما جاء في الحديث النبوي الذي ذكرته، وقد عرف العرب قبل الإسلام الجائزة والرهان ولقّبوا كل متسابق باسم حسب ترتيبه من الأول حتى العاشر، وكان سباقهم بأمر السلطان في الأعياد والمناسبات العامة لإظهار الفرح والسرور والتمييز بين الجياد وكان أيضاً يجتمع الفرسان ويجعلون جائزةً فيما بينهم من باب اللهو والتسلية، فلم تكن هناك مؤسسات رياضية عالمية ترعاها ولا فرق دولية تشارك فيها وكان الغالب فيها المسافات القصيرة إلا إذا كانت معدة للقتال فإنهم يزيدون في أمدها لمعرفة قوتها من ضعفها وهكذا كانت سباقات التحمّل والقدرة الطويلة عشوائية من غير تقنين، حتى جاء يوم السابع من أغسطس عام 1955م حيث قام الفارس الأميركي ويندل روبي وأصدقاؤه الأربعة بأول سباق قدرة لمسافة مائة ميلٍ على الحدود الشمالية بين كاليفورنيا ونيفادا وكانت مدة السباق 24 ساعة وهو يعرف اليوم بـ (تيفس كاب)، ثم انتقلت سباقات القدرة إلى أوربا في الستينات ومنها إلى جميع العالم.

وفي سنة 1993م بدأت سباقات القدرة بدعم وحضور المغفور له الشيخ "زايد" في الإمارات لمسافة 40 كلم وشارك فيها الشيخ "محمد" وكثير من المتسابقين وكان السباق مشتركاً بين الإبل والخيل، وأظهرت الخيل تفوقاً كاملاً في المراكز العشرة الأولى ثم توالت السباقات وظهرت قرى سباقات القدرة وتطورت واشترك فرسان الإمارات في كل البطولات العالمية وحصدوا كثيراً من الميداليات الذهبية لتفوقهم ورعاية الشيخ "محمد" وإخوانه الشيوخ لهم.

 

عشقٌ من الصغر

عشق الشيخ "محمد" للخيل معروفٌ من صغره بل هو مضرب للأمثال ولا تزال صورته في أول شبابه وهو يقفز من حصان إلى حصان مصدر إعجاب لي ولكل من يراها، فهو فارس متميز في الريادة ولهذا فاق كل التوقعات بفروسيته وصبره، وأما فوزه الأخير بالميدالية الذهبية في مونديال 2012م لسباقات القدرة فهو فوز لكل الشعب الإماراتي والعرب جميعاً، حفظه الله وسدد خطاه.