"اسطنبول" حاضرة الخلافة العثمانية من أروع المدن العالمية التي زرتها في حياتي، ولم أجد لها مثيلا، فهي تاريخٌ متواصل ومتجدد منذ 3 آلاف سنةٍ وقيل بُنيت قبل ذلك، ولكن تاريخها يبدأ قبيل المئة الثالثة بعد الميلاد، حيث تم التأسيس الثاني على يد الرومان والذين نسميهم "البيزنطيين" نسبة إلى المؤسس الأول "بيزاس" قيصر روما الشرقية، وهذا الاسم لا يُعرف عند أهالي روما بل كانوا يكتفون بتسميتهم الرومان الشرقيين كما هو مشهور في كتب التاريخ، ثم جاء من بعده "قسطنطين" وهو يعدُّ الباني الثاني وحول قرية بيزاس (اسطنبول) إلى مدينة وبنى أسوارها التي تستطيع مشاهدة بعضها قائما خلال جولتك فيها، ولهذا سميت "القسطنطينية" نسبةً لهذا القيصر.

ثم جاء القيصر "جوستنيان" وبنى كنيسة "آيا صوفيا" وهي من عجائب الدنيا ومن يخرج منها اليوم يجد لوحة رُسمت بأمر منه ولا يلاحظها كثير من الزائرين وفيها يظهر "قسطنطين" يقدم الأسوار لمريم العذراء و"جوستنيان" يقدم كنيسة "آيا صوفيا"، ثم فتحها المسلمون سنة 1453م على يد الفاتح الكبير محمد الفاتح بن مراد الثاني العثماني الذي تعجز كلماتي عن وصف فتحه هذا، ولكن أنصح كل من يزور هذه المدينة أن يذهب إلى "بانوراما فتح اسطنبول" في منطقة طوبكابي بجوار الجدار الغربي البيزنطي فإنه سيجد متعة كبيرة وسيشعر بعزة عظيمة.

بعد أن فتح "محمد الفاتح" اسطنبول أمر البشاوات (الوزراء) أن يتخذوا مناطق لهم ليعمروها، وليبنوا فيها مساجد ومدارس ومستشفيات لأنها كانت مدينة صغيرة وقد خربها اللاتينيون الصليبيون ونهبوها سنة 1204م إلى زمن الفاتح، ولهذا اهتم بإعمارها، وتسمى الآن مناطق عدة بأسماء هؤلاء الباشوات مثل محمود باشا وداود باشا وجراح باشا ومصطفى باشا وغيرهم، وقد اختار لنفسه المنطقة الكبيرة التي تسمى الفاتح وفيها قبره ومسجده، ويقال: إنّ هذه المنطقة كانت أصلا لملوك بيزنطة ولهذا اختارها لنفسه، وقد أقيمت احتفالات كبيرة بمناسبة مرور 559 سنة على الفتح العظيم وكذلك احتفلوا بإعادة ترميم مسجد الفاتح وافتتاحه في 29 مايو.

سكن الخلفاء العثمانيون في قصر "طوبكابي" منذ عهد الفاتح وقد اكتفوا بالزيادة عليه عند الحاجة وكان قصرا متواضعا حتى جاء عهد السلطان أحمد الثالث 1710م، وبدأت تظهر بيوت الاستجمام حول مضيق "البسفور" من غير انتقال لها، ولكنها تستخدم في المناسبات، وفي عهد السلطان عبدالمجيد تم بناء قصر "دولما باشي" الذي بني على مضيق "البسفور" وهو قصر مسقوف من الداخل بالذهب، والذي بلغت به العمارة التركية الحديثة أعلى درجاتها وسكنه السلطان سنة 1856م إلى حين وفاته سنة 1861م، وانتقلت الإدارة من قصر "طوبكابي" إليه من ذلك الوقت.

خلف السلطانُ عبدالعزيز أخاه السلطان عبدالمجيد والذي أمر ببناء قصرين على جهتي البسفور قصر فرعية (شيرغان حاليا) في أوروبا وقصر "بيجلربيه" في جهة آسيا كان ذلك من سنة 1863 حتى سنة 1867م، ولكنه لم يسكن فيه وإنما كان يأتيه للاستجمام وفي سنة 1876م عُزل عن الحكم ووضع تحت الإقامة الجبرية في "شيرغان"، ثم بعد مدة قصيرةٍ وُجد ميتا مقطوع شريان اليد، ولايزال أمر مقتله غامضاً فمنهم من يقول: إنه انتحر، وبعضهم يقول: مات مقتولاً على يد أعدائه والله أعلم بما حدث.

بعد عزل السلطان عبدالعزيز تولى السلطة ابن أخيه السلطان مراد الخامس لمدة 93 يوما ثم انقلب عليه أخوه السلطان عبدالحميد الثاني بدعوى اختلال عقله، ووضعه تحت الإقامة الجبرية أيضا في قصر "شيرغان" منذ سنة 1876 وحتى وفاته سنة 1904م، وقد حاولت مجموعتان لتخليص السلطان مراد من سجنه وإعادته إلى السلطة، الأولى كانت مجموعة العالم المثقف "علي السعاوي" في سنة 1877م ولكنها باءت بالفشل وقُتل هو وجماعته في مدخل قصر "شيرغان" وكان رجلاً مصلحاً، وآراؤه تدرس حتى الآن، ثم قامت مجموعة أخرى في 1890م، وهي مجموعة منتسبة للجمعية الماسونية، وحاولت أن تخرج مراد من محبسه وإعلانه سلطانا بدل أخيه ولكنها أيضا فشلت وانتهت كسابقتها وتم نفي أصحابها.

في سنة 1911م شبّ حريق عظيم في قصر "فرعية" المسمى "شيرغان" اليوم بعد استخدامه لاجتماعات البرلمان لسنوات من قبل السلطان محمد الخامس، وقد بقي فترة طويلة وهو محروق، ومنه أطلق عليه اسم "شيرغان" ويعني الصنوبر الذي حرق كثيراً، وفي سنة 1989 اشترته شركة يابانية وقامت بترميمه وتحويله إلى فندق عالمي، وأنصحكم بالسكن فيه أو زيارته.