قال لي أحد الأدباء: لقد مات الشعر وورثته الرواية منذ زمنٍ، فما لي أراك تقرضُ الشعر وتحفظه وترويه وقد أكل الدهر عليه وشرب، والناس في شُغُلٍ عنه بالروايات وقصص الخيال التي تأخذ العقول من وادٍ إلى أعلى قمّةٍ جبليةٍ ومن بيداء داويّةٍ إلى جزيرةٍ حالمةٍ في وسط بحرٍ مدلهمٍّ ومحاطٍ بالأساطيرِ المشوّقة والغرائب؟! قلتُ:لئن مات الشعرُ كما زعمتَ فقد ماتت المشاعرُ من قلوب البشر، ولئن انتهى زمن القصيد فلقد انتهى وربِّي معها زمن العاطفة والرومانسيّة التي يبحث عنها الصغير والكبير في كلّ مكانٍ، ومضت بمضيِّه الآلام والآهات والآمال والأحلام، وهذا محالٌ أن يقع وقد فطر الله الناس على حبِّ الأشعار منذ المهد، وإن كنت لا تدري بما تحرّكت به شفتاك من تنكر للقصيد وأهله فانظر إلى هذه الأمِّ الحنون التي عند تأخّر نوم طفلها الصغير فإنها سوف تغنّي له بصوتها الشجي العذب حتى ينام ولو فطنت إلى كلماتها فلن تجدها إلا شعراً لحنته بفطرتها ومشاعرها التي لا يستطيع أكبر ملحن في العالم أن يصل إلى مستواها ! .
قلتُ له أيضاً وأنا أحاوره: أيها المتحزّب للرواية أما ترى الشعوب تحتفي بشعرائها وتجعل لهم التماثيل وتخلّد ذكراهم بتخصيص حدائق بأسمائهم ومتاحف ونُصب وتتغنى بأشعارهم ولا تزال دواوينهم تجول في دور النشر كأنّ أصحابها لا يزالون في الوجود وهم في الحقيقة قد رحلوا عنا منذ مئات السنين، أليس في هذا دليل على خلود الشعر وصاحبه وفناء الروايات وأصحابها؟
وقلتُ لصاحبي هذا وقد تمادى في مماراتي و هجومه على الشعر وأهله : إن كنت لا تصدق ما أستدلُّ به من حججٍ ظاهرةٍ، وما أُدلّ به عليك من مسائل ظاهرة للعيان لا أحتاج إلى تكرارها على مسامعك فأخبرني إذن: لماذا تحرص الشعوب المتقدمة منها والمتخلفة على إقامة المهرجانات الشعرية وتقوم بدعوة الشعراء من كل مكان إليها؟ وإن كنت لا تصدق ما أقوله لك فانظر إلى روسيا هذه الدولة التي فيها ما فيها من التناقضات والعصابات والمصائب والأحزان والأعجايب ومع هذا تحتفي بشعراء العالم في مترو أنفاقها!! وقد نقلت وكالات الأنباء الخبر الآتي:
جابت أشعار جابرييل غارسيّا ماركيز الكولومبي الحاصل على جائزة نوبل في الآداب أنفاق "موسكو" في رحلة مع آلافٍ من ركاب القطارات، ويأتي هذا المشروع، الذي تم الإعلان عنه في جميع أحياء موسكو ضمن حملة الترويج للثقافة العالمية. ويقول أحد الركاب: "لقد تبلورت لديّ فكرة القيام بقضاء طوال ساعات يومي في المترو، المزيّن بفقرات من الأعمال الإبداعية للكاتب العالمي جابرييل جارسيّا ماركيز".
ثم قال لي صاحبي: والله لقد أجدت في حجتك، وأقنعتني بما لا أشك فيه بعد اليوم ، ولكن دعني أسألك: ما لي لا أرى مترو الأنفاق في الدول العربية على قلتها لا تتشبه بمترو موسكو وتحتفي بأشعار كبار الشعراء العرب، وكم أتمنى أن تقوم "مترو دبي " بعملٍ مماثلٍ كل سنةٍ فتحتفي بشاعر من شعراء العرب والعالم وليبدؤوا بأشعار شاعر العرب وفارسها الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم حفظه الله تعالى. قلتُ لهُ : والله إنها لفكرة جميلة سوف تجمّل الحديد الباهت في القطارات وتفرح قلوب المثقفين وسوف يستمتع بها الركّاب في آنٍ واحدٍ. ثم ودعته وأنا أترنّم بأبياتٍ لي :
منْ يسأل الشعراءَ عن أحلامهمْ
فلقدْ أساءَ إلى القصيدِ وماعدلْ
الشعرُ لوحةُ شاعرٍ فى فكرهِ
ملكَ الفضاءَ بهِ فقالَ ومافعلْ
والشعرُ ليس حقيقةً فى كونهِ
لكنّهُ شمسُ الحقيقةِ لم تزلْ
والشعرُ يسري فى الضمائر مثلما
سرتِ العقارُ بعقلِ صبٍّ قد ثملْ
والشعرُ كالكونِ الفسيحِ توسّعتْ
أرجاؤهُ وبهِ المشاعرُ ترتحلْ
الشعر سر ليس يعرف كنهه
قلبٌ ذكيٌّ لا ولا عقلٌ كَمُلْ