الذكريات وتسجيلها وحفظها وتوثيقها، مفرداتٌ لا أعرف لها مكاناً في العقول العربية إلا نادراً، بل تمرُّ الساعات والسنون ثم القرون ولا تجد عن تلك الحقَبِ إلا كلماتٍ قليلة لا تشفي غليلاً ولا تبلّ ظامئاً فترى الباحث يبحث فيها وهو العالم المؤرخ ويجتهد كل الجهد عن موضوعٍ تاريخيٍّ ما فيصطدم بجلمودٍ اسمه النسيان وعدم وجود المعلومة التي من خلالها يستطيع أن يبني عليها كتابه أو بحثه، فيصبح يقلّب كفيه على الجهد الذي ضاع هدرا ولم يستفد منه إلا نزرا.
لا أتحدث عن الماضي البعيد الذي ضاع من أصله ولم يبق منه شيء يُذكر اللهم إلا تقارير مشوّهة من المستعمر ورسائل قليلة من الحكام وصفحات معدودة من التاريخ الذي سُجّل عجباً ولم يُلقَ في البحر كما فعل بأمثاله، ولكنني أتحدث عن أقوامٍ معنا لا يزالون على قيد الحياة ولديهم ذاكرة حيّة وأخبار جميلة عن هذه البلاد وما حولها من القرى، يكادون يُنادون عن قريب لركوب القطار الأبدي ونحن في غفلةٍ عنهم إلا اجتهادات فردية من هنا وهناك ومعظمها ناقص المعلومة بسبب عدم وجود من يعاونهم ولأنه يحتاج إلى مؤسسة متكاملة لجمع هذه الذكريات وصياغتها ونشرها في توثيقٍ صحيحٍ محكمٍ كما تفعل "دارة الملك عبدالعزيز" في الرياض حيث خطت خطواتٍ كبيرة حتى جمعت آلاف الساعات وحررتها ثم فهرستها وجعلتها في متناول الباحثين.
ودولة الإمارات تحتاج لمثل هذا العمل لكي لا يضيع تاريخنا الحديث ويجب دعم المجتهدين في هذا المضمار حتى يتمكنوا من إدراك ما تبقى وإكمال المسيرة ، وأنا أتحدث عن هذا الموضوع أحب أن أنوّه إلى جهد مركز البحوث والوثائق في أبوظبي في جمع التاريخ من ذاكرة كبار السنّ وقد أقاموا مؤتمرات حوله وكذلك مركز زايد في العين ومراكز أخرى في الدولة ولكن هذا الأمر لن يكتمل حتى يكون في أيدي الباحثين مفهرسا وسهل الوصول إليه.
* من الأعمال القليلة والجليلة التي صدرت مؤخراً كتاب "حديث الذكريات" وهي كانت صفحة قديمة من صفحات جريدة البيان نشأت مع بداياتها وقد تم تسجيل ما يمكن تسجيله من ذكريات رجال رحل بعضهم ولم يبق من ذاكرتهم إلا هذا الذي قدمته لنا البيان برعاية من جمارك دبي، وأتمنى أن تصدر المراكز المتخصصة مثل هذا الإصدارات مع وضع فهارس علمية مرفقة بها تفيد الباحثين وتسهل عليهم الوصول إلى مرادهم منها كأسماء الأعلام والمواضع والأشعار وغير ذلك.
يجول في فكري وأنا أكتب هذه الكلمات أن أنقل لكم بعض المقترحات التي يمكن أن تعين على جمع الذكريات المهمة في أسرع وقت من خلال جهود الأسر في الإمارات إذا لم تصل إليهم المراكز البحثية:
أولا: تسجيل الذكريات:
أنصح كلّ الأهالي أن يقوموا بتسجيل ذكريات كبار السن بالفيديو أو بالصوت مع تحري الوضوح وهدوء المكان ثم يقوموا بوضع توضيح لمحتوى التسجيل ثم ليحرصوا على حفظه إلكترونيا بعد ذلك، وتزيد أهمية الشخصية بمكانتها الاجتماعية وحضورها في مجال الأدب والاقتصاد والسياسة.
ثانيا: كتابة المذكرات:
لم تهتم الأجيال الماضية بكتابة مذكراتها اليومية وقد مضى وقت طويل على انتشار التعليم ومعرفة الصغار والكبار للكتابة ومع هذا لا تزال مسألة الكتابة نادرة جدا وهذا أراه من ضياع تاريخ المنطقة مجدداً فهناك كبار المسؤولين والأعيان وأصحاب التجارات ورجال الأدب والثقافة والفنون والرياضة وغيرهم يجب عليهم تسجيل الأحداث التي لا تُذكر في الصحف اليومية وليس لها وجود إلا فيما رأوه وسمعوه، وأنا إذ أحرص على التسجيل وأحث عليه ينبغي أن أنصح بأن التسجيل مهمٌّ وأهم منه المحافظة عليه. وللحديث بقية سأتكلم عنه في مقالات أخرى بإذن الله.