لم يخطأ المثل القديم القائل : "درهمُ وقايةٍ خيرٌ من قنطار علاج" فمن يحافظ بالقليل الدائم على صحة جسمه وسلامة فكره أفضل كثيراً ممن لا ينفق في حين الأمر وإبّانه، حتى إذا ما وقع المحذور هلهلَ مسرعاً يبذل الغالي والنفيس ليصلح ما أفسده في حين غفلته ولكن كما قال الشاعر :

 

أتركتـــــــــــــــــني حـتى إذا

                          علّقتُ أبيـــــضَ كالشطّنْ

أنشـــأتَ تطلـــــــــــبُ ودّنا

                           في الصيفِ ضيعتِ اللبنْ

 

وقوله "في الصيفِ ضيعتِ اللبن" على صيغة التأنيث لأنه أصل المثل فقد قاله عمرو بن عداس لمطلقته دختنوس بنت لقيط بن زرارة فذهب مثلا.

 

البرامج التلفزيونية على مدار الساعة تتنوع فمنها العالي المفيد ومنها الهابط الذي يضر السمع والأبصار، ولكنه مما يسعد قلبك عزيزي المشاهد أنّ جهاز التحكم بيديك فأنت من يختار لعقله لا أحد سواك.

وإذا كان أمر اختيار البرامج سهلا للعاقل الراشد فإنّ الأمر يختلف عند الطفل الصغير فهو لن يميز النافع من الضار ولهذا فهو أشد حاجةً لأن يُوجّه ويراقب من والديه حتى لا تقوم القنوات التلفزيونية الهدّامة بتسميم فكره فيخرج ما بين غمضة عينٍ وانتباهتها مشوّه الفكر مضطرب المشاعر فاقد الضمير.

 

لا تقلُّ مسؤولية الإعلام التلفزيوني عن مسؤولية الوالدين تجاه الأطفال لأنّ الأطفال هم مستقبلنا الواعد وإذا لم نستثمر فيهم ونحافظ عليهم وعلى نقائهم وذكائهم وأصالتهم الدينية والأخلاقية وننمي فيهم روح المعالي والاجتهاد فمن يستثمر إذن ؟ وقد قلتُ في قصيدة أذكر حرص قيادتنا الرشيدة على الشباب ورعايتهم لأنهم هم ثروة الأمة التي لا يمكن أن نغفل عنها :

 

ومنْ لم يحصّنْ بالشبابِ بلادهُ

                     فليـــــس بناجٍ إنْ أحاطَ به الردى

همُ المالُ والآمالُ عند "محمدٍ"

                    لمستقــــــبلٍ يرجوهُ عزّا مخــلّدا

 

ومن تتبع البرامج القديمة التي كانت تبُثُّ على القنوات المحلية قبل خروج الفضائيات سيجد الآتي :

أولا : سلامة اللغة العربية :

قدكان يحرص منفذو تلك البرامج المفيدة على القواعد النحوية والنطق السليم واستخدام المعنى الصحيح للمفردات اللغوية وليس كما نراه اليوم في البرامج الكرتونية والتعليمية فإنهم يخلطون الحنين بالرغاء والحابل بالنابل حتى يكاد قلبي يخرج من صدري لشدة خفقانه وحزنه على الفصحى.

ثانيا: إرسال الرسائل المفيدة:

كانت تُرسل تلك المسلسات الممتعة كثيرا من النصائح والإرشادات التي تنفع المشاهد الصغير ولا يكاد ينساها حتى بعد بلوغه سنّ الرجال فإنها لا تزال عالقة في ذهنه وهذا ما يمكن أن نسميه النجاح التاريخي كمثل برنامج "افتح يا سمسم" وهو من إنتاج مؤسسة البرامج المشتركة لدول الخليج العربي وكان ذلك في سنة 1979م, وجاء من بعده برنامج "المناهل" الأردني سنة 1987م وهما برنامجان ناجحان جدالم يحصل الطفل العربي على مثلهما بعد توقفهما حتى اليوم وكم أتمنى إعادتهما أو تنفيذ برامج في نفس المستوى .

 

كنت ناقشت هذا الموضوع في تويتر وأنقل لكم بعض ردود المشاركين في هذا الحوار :

قال فيصل الزعابي : الجيل الحالي يفتقد الفائدة وقوة التأسيس،جيل يتربى على قنوات أطفال جلّ ما تقدمه الأغاني والرقص بدون فائدة مرجوة.

الإعلامي عادل عابد: برنامج المناهل وافتح ياسمسم التعليمي برامج جودة عالية في الطرح يصعب الآن في العالم العربي أن تنفذ وهذا عن خبرة شخصيه.

الأستاذة مها من السعودية : أجد المناهل من أروع البرامج التعليمية التي ترسخ اللغة عند المتلقي.

الأستاذ علاء الدين بندي : شكرًا على طرح الموضوع الشيق بنكهة الماضي، افتح ياسمسم كان الأجمل وأظن أن تدني مستوى المناهج انعكس على مستوى البرامج.

قلتُ: هذه نماذج من الردود التي وصلتني حول هذا الموضوع المهم وسوف أعود في مقال آخر لأضع بعض الحلول لهذه المشكلة التي تتفاقم ولا نفعل شيئا للتقليل من أضرارها .