لم يكن في حسبان المخترع السويدي ألفريد نوبل أن تصل جائزته يوم جالت في فكره أول مرة إلى ما وصلت إليه بعده، ولا إخالُ الذين قاموا بترتيب وصيته وتنفيذها حسب ما وصّى قد ظنّوا أن تصبح هذه الجائزة حلم معظم من في الأرض من ملوكٍ ورؤساء وعلماء وأدباء وشعراء لأكثر من مائة عام، حتى إني أتعجب من وقع هذه الجائزة على القلوب، وعندما تجتمع مع محظوظٍ حاصلٍ عليها تشعر برهبتها وتقديرها على صاحبها، خاصة في مجال العلوم والآداب، ومن هذا نستطيع أن نأخذ درساً أنّ الجوائز التي تقدر العلم والأبحاث والسلام هي من تحظى بتقدير عالمي، وربّ جائزةٍ واحدةٍ كنوبل أفضل من جوائز كثيرة، وكذلك تحثنا تجربة نوبل على ألا نستعجل في انتظار وصول الجائزة المستحدثة إلى مكانةٍ عالميةٍ إلا بعد مرور الوقت مع حسن إدارتها ودقة اختيار الفائزين بها ووضع آليةٍ متجددة لدعم الجائزة مباشرة من أوقافها دون توقف. ولكن من هو نوبل؟ وهل تستحق جائزته كل هذه السمعة؟

قبل أن أذكر لكم بعضاً من قصته أنقل لكم ما كتب نوبل عن نفسه في بطاقة يقول فيها:

- ألفريد نوبل نصف إنسان ضئيل كان ينبغي أن يخصص له طبيب يقضي عليه يوم ولادته.

- مزاياه: ينظف أظافره ولا يحب أن يثقل على أحد.

- نقائصه: بغير أسرةٍ، كئيب، سيئ الهضم.

- حوادث حياته المهمة: لا شيء.

وإذا فكرت في هذه البطاقة التي كتبها عن نفسه سوف تشعر بأنه رجل محبط جداً حزين، وأنّه لا يرى في حياته فائدة، حتى إنه تمنى أنه قتل يوم ولادته وهذا من أعجب ما قرأت بقلم رجل ناجح في حياته وبعد مماته وليس ثمة من تفسير لهذا الحزن العميق والتمزق الداخلي إلا لتألمه من فعل مخترعاته خاصة في مجال المتفجرات التي غيرت من وجه الحروب للأبد.

شهد عام 1833 ولادة المخترع نوبل في السويد وانتقل إلى بطرسبرغ وهو دون العاشرة، وكان والده يعمل هناك ولم تكن دراسته منتظمة ولكنه عوضها بذكائه واجتهاده وحرص على السفر والتعرف على الصناعة ثم عاد مع أبيه إلى ستوكهولم بعد أن خسر والده تجارته ولكنه لم ييأس فأسس مصنعاً للمتفجرات، ولكنه تعرض لانفجار قضى على أحلامه عام 1864 ثم ما لبث أن مات بعد ذلك، وقام ألفريد بالعمل فنجح نجاحاً منقطع النظير، وقبل وفاته بسنة عام 1895 كتب وصيته بإنشاء جائزته من تركته، وحصر الأملاك فبدأت في عام 1900 مع تخوف كبير من ملك السويد أنّ الجائزة قد تسبب لبلاده إحراجاً وهذا في ظني الذي جعل القائمين على الجائزة آنذاك يتركون اختيار الفائزين بجائزة السلم لمجلس الأمة النرويجي في أول 6 سنوات، وقد بقيت بعد ذلك إلى اليوم.

إذا علمنا أنّ صاحب جائزة نوبل كان رجلاً محبطاً حزيناً وهو ممن أسهم في زيادة الدمار خلال الحروب باختراعاته للمتفجرات التي تحصد أرواح الملايين من البشر، فما هو مستواها لكي ينادي بعض المتحمسين بمنحها لمن لا تقدر جهودهم بجائزةٍ بل لا تصل إلى مستواهم الرفيع كلُّ جوائز الأرض، لأنهم قدموا لشعبهم أروع أمثلة التضحية والإنجازات الخيالية والإنماء المستمر، ورفعوا من منزلة بلادهم وجعلوها تنافس أهم الدول في العالم، وإن مُنحت لهم فلا تزيد شيوخنا الكرام بل تشرف نوبل وجائزته، وأسأل الله العظيم بأسمائه الحسنى أن يحفظ الشيخ خليفة بن زايد وأخاه الشيخ محمد بن راشد، اللهم آمين.