لعلّ موضوع كاشغري قد شغل كثيراً من المسلمين وغير المسلمين الشامتين هذه الأيام، وكتبت عنه الصحفُ، وأُصدرت في حقّه الفتاوى، وبلغ حتى أصدر عاهل المملكة أمراً بإلقاء القبض عليه، وقد أوقف في ماليزيا، إذ هرب إليها، بعد أن ضاقت به الأرضُ بما رحبت، ولا أدري ما الله صانعٌ به بعد هذا، كان الله في عون أسرته ووالدته التي فُجعت بابنها المتدين ينقلب في لحظةٍ إلى شاتمٍ لخير الخلق حبيبنا محمد فداه أبي وأمي.
والأعجب من ذلك أنه اختار يوم الاحتفال بالمولد النبوي ليرسل هذه الكفريات لحساب المولد في «تويتر»، ما زاد الأمر تعقيداً، ولا أدري ما الذي دعاه إلى هذا الأمر وهو الذي نشأ متديناً!! وقد يقع المرء في المعاصي جهلاً وغفلةً أو ضعفاً بشرياً، ولكن أن يقع في عرض رسول الله ويتعدى على الذات الإلهية فهذا أمر لا يصدقه عقل، وقد فكرت ملياً في أمر هذا الفتى الظالم نفسه فجعلت لفعلته تفسيرين:
- الأول: دخول أناسٍ مشككين في حياة كاشغري حادوا به عن الصراط المستقيم، وذلك عن طريق متابعته لهم خلال «تويتر» أو بقراءة كتبهم ومقالاتهم، مما سهل وصول الكفريات إلى غرف عقله الفارغة التي لم تمتلئ علماً، وإن نشأ متديناً، وبسبب وجود المقهى العالمي مفتوحاً 24 ساعة وفي يد الإنسان دخوله بقوة متى شاء، وقع كاشغري ضحية الجهل الديني وتغلغل الأفكار المشككة وسهولة إخراج ما في الضمير عن طريق الوسائل الحديثة مثل تويتر في لحظةٍ من أسوأ لحظات حياة هذا الفتى الصغير، الذي لم يقدّر وهو يلعب بأصابعه بأزرار جواله ليرسل تغريداته، بأنه سيخرج من الملة، ويحل دمه، ويصبح هدفاً لكل المسلمين المدافعين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
- الثاني: أنّ حمزة لما كتب ما كتب كان خارجاً من عقله، فصار كالمجنون يهذي بكلمات لا يعرف هو ما هي، ومن قرأ تغريداته علم يقيناً أنها نوع من الهذيان بلا معنى ولا قاعدة عقلية، بل تغريدات من لا يملكه عقل، فلا حدود لكلماته ولا معقول يقاس على كلام العاقلين، ومن أراد التأكد فليرجع إلى ما كتب.
مواقف متباينة
تباينت مواقف العلماء والدعاة والناس في موضوع كاشغري، فمنهم:
- من طلب العفو عنه لأنه أعلن توبته واستغفر ونطق الشهادة.
- ومنهم من يطلب محاكمته ليعدم بعدها.
- وبعضهم دعا لإعدامه وقال لا توبة له.
- ومن الناس من وقف معه في ما قال، وهذى وكفر، خاصة من حزب إبليس وأعوانه الذين أعلنوا تأييدهم لكل تغريداته، عليهم وعلى من يناصرهم من الله ما يستحقون.
- وهناك قوم لم يحرك فيهم هذا الأمر ساكناً، بل مرّ برداً وسلاماً كأنّه لا يعنيهم.
- وهناك من طلب محاكمته أولاً ليعلن توبته في المحاكمة ثم يعفى عنه ثانياً، بشرط أن يخلص التوبة النصوح ويراقب الله فيما يقوله ويفعله.
وفي الحقيقة أني أميل إلى الرأي الأخير، وهو محاكمته ليعلم أنّ الذي كان فيه من أكبر الأمور بعداً عن الله والإسلام والسلامة، ثم يقضي مدةً مع العلماء الربانيين يملؤون فكره بالحق والنور الذي تاه عنه ثم يعفى عنه إذا أخلص التوبة لله.
حرية الرأي
يجعل بعضهم حرية الرأي شماعة يعلق عليها كلَّ افتراء على الله ورسوله وعلى ولاة الأمر والناس، ولكنه لا يعي أنّ حرية الرأي تقف عند حدود الآخرين، ولا يجوز الخروج عن الحدود بحجة الحرية الشخصية أو الفكرية، كما ينادي بها من لا يعرف عن الحرية إلا الكفر والقذف والتطاول على الذات المقدسة وعلى ولاة الأمور، وإذا تكلم أحدهم في عرضه أو أمر يخصه صرخ وقال: هؤلاء تخطوا حدودي، قلت: أحدودك أهمُّ من حدود الله ورسوله وولاة الأمر وعامة الناس، أفٍّ لكَ ولما تقوله. وللحديث بقية.