قد تحمرّ خجلاً خدود البنات الصغار الخرّد من هذا العنوان، وقد يقوم أحدهم بتوبيخي عليه، وقد أجد من يوافقني الرأي. وهذه هي الحقيقة التي أشاهدها عندما يفتح أحدهم فمه في مجلسٍ ما أو محاضرةٍ أو في برنامج تلفزيونيٍّ، أو يؤلف كتاباً ليتحدّث عن هذا الموضوع المهم، فتجد الناس حوله بين منكرٍ ومستهجنٍ ومرغّبٍ ومستحٍ، ولا ألومهم فالقوم لم يتعوّدوا هذا النوع من الأحاديث، خاصة الجيل القديم الذي نشأ بعيداً عن هذا الانفتاح الغريب الذي نعيشه.
إذا كان الانفتاح العالمي صار واقعاً لا يمكن تغييره، والمزج الثقافي بين الحضارات يفرض نفسه بقوة بسبب العولمة وتحول الدنيا إلى ما يصح فيها المثل الشعبي: "كلنا أولاد قريّه وكلٌّ يعرف خيّه"، أي صرنا في قرية واحدة ويعرف بعضنا بعضاً من خلال العوالم الافتراضية التي دخلها كل الجيل الحديث، وبعض من الجيل الذي سبقه، وتطرح فيها كثير من الموضوعات العامة والخاصة، ومن أهمها ثقافة الجنس التي ينقسم الناس فيها إلى ثلاثة أقسام:
- قوم مفرطون في الحديث عنها بدون قيد ولا شرط.
- قوم يمنعون الحديث عنها ويرونها من قلة الأدب.
- قوم يتحدثون عنها مع التزام آداب الحديث بقصد التعليم ونفع المجتمع.
ولا يخفى على القارئ الكريم أنّ القسم الثالث هم على الحق الذي نريده ونسعى إليه، فالحديث عن الثقافة الجنسية لأجل العلم ورفع مستوى الوعي باتت من مسببات الحفاظ على الجيل الحديث، وضمان عدم انحرافه، وكذلك يُضمن به بقاء تماسك الأسر العصرية التي يتعرض ركناها الزوج والزوجة لعواصف عاتية من تغير أجواء المجتمعات العربية المتسارعة، وإذا لم يقم أهل الاختصاص بالتوجيه وسدّ جميع الثغرات السلبية في مجتمعاتنا فمن يقوم بسدها إذن؟!
ظهرت عبر الفضائيات كثير من البرامج الساخنة، التي لم يضع منتجوها لها ضوابط ولا حدوداً، فقد بلغت أشد أنواع قلة الأدب والذوق، حيث تحدثوا عن أمور ساقطة شاذة في المجتمعات، ولم يكن هدفهم حلّ هذه المشكلة، ولكنهم أرادوا الإثارة وجذب المشاهدين.
وقد وصل بي وأنا أشاهد إحداها درجة الغثيان، وليتهم تحدثوا عما ينفع الناس من تعليم وتثقيف صحيح يزيد من تماسك الأسر العربية، ويحفظ الأبناء والبنات من المغامرات العاطفية التي تؤدي إلى ما لا تحمد عقباه.
شهدت في بريطانيا بداية التسعينيات نقاشات كثيرة من أهل الرأي حول تعميم تدريس الجنس في المدارس، وقد سمعت المعارضين لها يتحدثون بشدة ضد هذه الفكرة، وكذلك المؤيدون، وقد تغلب المؤيدون بالتصويت وعممت ثقافة الجنس في المدارس، ثم سألت صغيراً من أبناء أحد أصدقائي الإنجليز عن هذه المادة الجنسية فقال: أنا أعرف أكثر مما يدرسون!! فقلت في نفسي: وماذا عن حال أبنائنا؟
يجب أن لا نكون كالنعامة إذا خافت وضعت رأسها في حفرة، تظن أنه لا يراها أحد، بل يجب مواجهة الواقع بالواقع، ونساعد الجيل الحديث على الفهم الصحيح للحياة، ونقيم لهم الندوات والبرامج النافعة، ولا أمانع أن توضع في المناهج، فهذه عائشة رضي الله عنها كانت تحدث الصحابيات، رضوان الله عليهن، بكل تفاصيل حياة الرسول عليه الصلاة والسلام، وكذلك أنا أشجع على التأليف في هذا الموضوع، ولكن لا أريده ككتاب الأخت وداد لوتاه، بل يكون أكثر تحفظاً، فلا إفراط ولا تفريط.