لم يكن ذلك العيد الذي قرّر فيه أبومحسّد المتنبي في سنة (350هـ الموافق 12 يناير 962 م) أن يرحل عن مصر وكافورها بالعيد السعيد، الذي كان يلقاه كلّ سنة بل كان من أحزن أيامه وأصعبها عليه، فقد جلس يتذكر أيامه السعيدة في حلب عند حبِّه وممدوحه سيف الدولة الحمداني، فتذكر العيد في 16 من إبريل سنة 954م، عندما قدم إلى ميدان حلب فأنشده قصيدته التي ملأها فخرا ومدحا وحبا وحكمة وتهنئة، فاقترب من مجلسه فحيّاه واستأذنه بإنشاده القصيدة فأذن له، وكانا على فرسيهما فحلّق فؤاد الشاعر الأسطورة في فضاء الإبداع فخطف الأسماع بمطلعه:

لكـلِّ امرئ من دهـرهِ ما تعوّدا

وعادةُ سيفِ الدولةِ الطعنُ في العدا

 

ثم بعد تقلّبه في فنون الشعر تخلّص إلى تهنئته بعيد الأضحى، ولا تزال هذه التهنئة بعد مرور أكثر من ألف وسبعين سنة تتردد في الأرض كما أنشدها صاحبها في تلك اللحظة الرهيبة وقلبه تتسارع نبضاته فقال:

هنيئاً لك العيـدُ الـذي أنتَ عيدهُ

وعيدٌ لمـنْ سمّى وضـحّى وعيّدا

فذا اليومُ في الأيّامِ مثـلكَ في الورى

كما كنتَ فيها واحداً كانَ أوحدا

 

وما أحلى تلك السنوات وقلبه جذلان بوصال من يحبه، ويعتقد أنه كل شي في حياته إذ الشاعر لا يعشق إلا مرة واحدة ثم إذا انتقل إلى عشق آخر كان العشق الأول في مكان في قلبه لا يصل إليه حزن ولا سرور، بل سيبقى هو الحقيقة وغيره لا يتجاوز هوىً يتقلّب مع الهواء، وإنْ كان الشاعر من أهل المعالي الباحثين عن المجد فلن تجد له معشوقة امرأة بل ستجد له معشوقا واحدا، وهو الذي يمثل المجد بشخصيته ويجد فيه لذة معانقة العز والسؤدد بدل معانقة الغيد الأماليد كما هو حال المتنبي.

 

استفاق أبو الطيب من لحظات التذكر التي أخرجته من هذا الحقيقة المرعبة، التي عاشها طوال سنة كاملة ثم زادت حدتها خلال الشهر الماضي فقد تيقن أنه هالك إذا بقي في فسطاط مصر فيا لها من أيامٍ صعبة مع خوفٍ وترقّبٍ ولا يدري ما سيحلّ به والعيون في كلّ مكان من حوله، وهو قد أعدّ الراحلة وخفّف رحله لكي لايدركه الطلب، فجلس في يوم عرفة خائفاً يترقب فأنشد قصيدته التي لو سبرت أغوارها وأنعمت قراءتها لشعرت بما كان يشعر به في تلك اللحظة والناس تستعدّ للعيد والأفراح في كل مكان وهو في حالةٍ يرثى لها فقال:

عيدٌ بأيّةِ حالٍ جئتَ يا عيدُ

بما مضى أم لأمرٍ فيك تجديدُ

 

يقول أغداً العيد، كأنه سمعها من أحدٍ فترجمها بنفسيته المحبطة فقال: أيُّ عيدٍ تعنون! وأنتَ يا عيدُ بأيِّ حالٍ جئتني هذه السنة، هل كما هو الحال في كل سنةٍ أم هناك تجديدٌ في شكلك وحالك؟ ثم قال:

أمّا الأحبّةُ فالبيداءُ دونهمُ

فليتَ دونكِ بيداً دونها بيدُ

 

وهذا أشدُّ عليه من خوفه من كافور وجنده، لأنّ البعد عن الأحباب، خاصة في الأعياد أقسى على النفس من وقع الحسام المهنّد. جعل الله أيامكم كلها أعياداً وأفراحاً وكل عام وأنتم بخير.