كما نستنكر أي عنف من الخادمة ضد أهل البيت، فإننا نستنكر عشرات المرات أي عنف مماثل مهما كان بسيطاً من أهل البيت ضد الخادمة، بل على العكس، نجد أنفسنا هنا أكثر تعاطفاً وأكثر قسوة على الأسرة التي ارتضت أن يكون بيتها مسرحاً لجريمة تنتهك فيه كرامة الخدم، ويتعرضون على يد ربة الأسرة لأقسى أنواع العنف والتعذيب التي أودت بحياة واحدة، وخلفت على وجه وجسد الأخرى جروحاً، وكأنهما في حلبة ملاكمة تتلقيان اللكمات والركلات من ملاكم لا يرحم.
الجريمة بكل المقاييس مخزية بغض النظر عن كونها تصرفاً فردياً أو حالة نادرة تسيء إلى مجتمع يراعي الله في معاملة الخدم، ويحافظ على حقوق العمالة، وهو بريء من هذا المسلك البغيض الغريب الذي يرفضه العقل والمنطق، ويحرمه الشرع ويجرمه القانون، لكن يبقى السؤال ما الذي يجعل الإنسان، رجلاً أو امرأة، ينحدر بآدميته إلى هذا المستوى ويمد يده بالضرب والاعتداء على أشخاص، حق عليه إكرامهم والإحسان إليهم ومعاملتهم بالحسنى والمودة الطيبة، إن لم يكن من أجل قيم يجب أن يتحلى بها ويمتثل لها، فعلى الأقل من أجل نفسه وصغاره.
نتساءل، أي كبيرة أقدمت عليها الخادمات في هذا المنزل حتى يتعرضن لسوء المعاملة من رب الأسرة، لا أقول هذا لدرء التهمة عن الأسر، بل لأنها حقيقة وواقع معايش، على الرغم مما بدر من هذه الأسرة في حق خادمات يعملن لديها.
مسؤولية ما حدث يتحملها الكبار في هذه الأسرة الذين لم يحركوا ساكناً، ولم يحاولوا رفع الظلم عن هؤلاء المسكينات ووقف الاعتداء عليهن، حتى أسلمت إحداهن الروح إلى بارئها، وكان الموت خلاصاً لها من عذاب لا يعلم كيف كان مداه.
نرفض هذه الممارسات بكل أشكالها، ونرفض وجود نفسيات مريضة لا تراعي الله في تعاملها مع أشخاص قدموا إلينا من أجل لقمة عيش استصعبوا إيجادها في بلدانهم، فكانت بلادنا ملاذهم، فحق لهم العيش الكريم قبل لقمة رغيف يضعونها في أفواههم.
ومع الرفض، نتطلع لأن يأخذ المجرم جزاءه العادل، ويكون عبرة لمن يفعل ما يحلو له، وليعلم هؤلاء أن المجتمع بأكمله وبمختلف مؤسساته يقف صفاً في وجه أي اعتداء على الخدم.