مساء أول أمس الإثنين، شهد مسجد الصحابة في الشارقة حلقة جديدة في حلقات الوفاء، رجال ونساء جاءوا ليودعوا امرأة اتخذت الإمارات وطناً وسكناً وأهلها أهلاً، فبادلوا الوفاء وفاءً وإحساناً وكانوا لها أهلاً، ولم يتخلفوا عن الوقوف معها حتى الوداع الأخير، واقاموا لها مجالس العزاء، فما حكاية هذه المرأة ولم استحقت هذا الوفاء؟
هي حكاية فتاة شابة من جمهورية مصر العربية جاءت لتزور شقيقها وزوجته المقيمين هنا، زيارة لم تتوقع أن تزيد مدتها على 30 يوماً، لكن كان للقدر رأي آخر فامتدت لـ 30 عاماً، إذ اكتشفوا إصابة زوجة أخيها بمرض عضال فبقيت بجانبهما، أنجبت الزوجة خلال تلك الفترة بنتاً وولداً، توفيت إثر ذلك المرض ولحق بها بعد ذلك زوجها، لتجد نفسها في مواجهة مع طفلين يتيمين بحاجة إلى من يرعاهما ويعتني بهما، فكانت لهما الأم والأب والأهل، تعمل من أجلهما وتمنحهما كل ما لديها.
اعتنت بتربيتهما وأدخلتهما أرقى المدارس، حصلت الإبنة على الثانوية بمعدل عال، أهلها لأن تحصل على منحة المتفوقين في الجامعة الأميركية في الشارقة وهي منحة تسقط عن الطالب 50% من الرسوم، ووقفت الـ 50% الأخرى عائقاً مرهقاً لميزانيتها، مشكلتها لم تدم طويلاً حيث احتضنها قلبان كبيران، تكفل صاحبيهما برسوم دراستها، كان سنداً قوياً ساهم في أن تحصل على درجة البكالوريوس، أما شقيقها فلا يزال طالباً فيها.
"أبلة عايدة" هو اسمها الذي يعرفها به أهالي الشارقة، في الأفراح موجودة تشاركهم الفرح، وعن أحزانهم أيضاً لا تتخلف، هي واحدة منهم، أحبوها وأحبتهم، في الشدة هم سندها وفي رخائها هم معها، كانت سعيدة بعطائها ولم تتحدث يوماً عن تضحياتها وحين مرضت، وانتقلت للعلاج في مستشفى دبي، تكفل القلب الكبير بعلاجها حتى فاضت الروح لبارئها، وبقي الجسد، فسارع الرجال والنساء لإنهاء إجراءات الدفن وإكرامها ميتة كما أكرموها حية.
أبلة عايدة واسمها عايدة محسن بسيوني سكرتيرة في نادي فتيات الشارقة للشطرنج، لم تغادر الدولة إلى وطنها مصر طوال السنوات سوى مرة واحدة تحديداً قبل شهرين لإجراء عملية جراحية في عينها، وكأنها سافرت لتوديع أهلها وتعود ليحتضن تراب الإمارات جثمانها، كما كانت حاضنة أحلامها في حياتها.
مشهد الجنازة كان مهيباً، عشرات الرجال والنساء حضروا لأداء الواجب معها في رحلتها الأخيرة، كانوا لها الأهل والوطن، فكما لم تشعر يوماً بالوحدة، كما كانت تردد، لم تمت أيضاً وحيدة.
بقي أن نعرف القلبين العظيمين اللذين احتضنا أبلة عايدة هما صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة وحرمه الشيخة جواهر بنت محمد القاسمي، رعاهما الله.