كنا في الصف العاشر أو الأول الثانوي، وفق التسميات القديمة، ويحين موعد حصة اللغة العربية، التي كانت محببة لدى معظم الطالبات، ويندر أن تتغيب عنها إحدانا، وإن حصل فإن الأمر لم يكن ليمر مرور الكرام على معلمة تحرص على مصلحة طالباتها، وكانت بمثابة الأم الثانية لنا.

سنوات مرت على تلك السنة، لكن المشهد اليومي لها لا يزال عالقاً، يأبى أن يبرح الفكر، ويتلخص في دخول المعلمة والفصل مكتمل، و"السبورة السوداء" نظيفة و"أصابع الطباشير" جاهزة..تبدأ بالسلام.

ثم تتجه إلى اللوحة في روتين حفظناه عن ظهر قلب، تكتب "البسملة" على صدر اللوحة بخط جميل، لا أزال أتخيله، ثم تتجه يميناً فتسأل عن التاريخ الميلادي، وبصوت واحد نذكره لها، فتدونه، ثم يساراً، وتنتظر أن تسمع التاريخ الهجري..

 لا رد، فتضع الطبشورة وتتوجه إلينا لتقدم درساً في أهمية معرفة وحفظ التاريخ الهجري، ساردة مواقف وأحداثاً وقعت بعد الهجرة النبوية، حتى أصبحنا نحفظه كأسمائنا.

ومثل جهلنا بالتاريخ الهجري، كانت معلمتنا الفاضلة "ثريا الصفتي"، رحمة الله عليها، يستوقفها أي خطأ أو سلوك سلبي يبدر من إحدانا، وتعلمنا وهي تردد باستمرار "التربية قبل التعليم"، فكان "الخروج عن النص" لما فيه المصلحة عادة لا تحيد عنها.

أما في ما يخص مادتها، فلها الكثير من المواقف، من أبرزها أن القراءة والكتابة أولويات لا تستهين بهما.

وأذكر أنها وقد لاحظت رداءة خط بعض الطالبات، فإذا بها تأتي في اليوم التالي بكراسات للخط والنسخ، لا تزيد قيمة الواحدة منها على درهمين، وتقضي وقتاً في التعليم والتدريب على خط الرقعة والنسخ، حين كانت للخط درجات، وبالنسبة للقراءة، لم تكن لترضى بالقراءة "المكسرة".

بل كانت تحرص حتى في التعامل اليومي العادي، أن نحافظ على موقع كل كلمة من الإعراب، وأكثر ما كان يسعدها هو التحدي الذي تظهره إحدانا في مهارات لغوية ونحوية.

وليس كما هو حال الأبناء اليوم؛ ضعف شديد في القراءة وأشد منه في الكتابة.. واقع مؤلم بما لهذه الكلمة من معان، والآتي ينذر بما هو أكثر سوءا، وجل ما نخشاه ألا يكون للخط وجود وسط الاعتماد الكبير على وسائل التكنولوجيا التي سلبت أشياء جميلة ينبغي أن تبقى ولا تزول، وهو ما نفتقده في عملنا الروتيني.

نتمنى أن تعيد وزارة التربية والتعليم بعض ما ألغته، كحصة الخط، والقراءة، وأن تعود "العبقريات" أو غيرها من الكتب إلى حصص اللغة العربية، فضلًا عن المقالة والخطابة، لما لها من تأثير إيجابي على شخصية الطالب.

لا نريد جيلًا لا تسعفه إمكانياته اللغوية لإلقاء جملة واحدة، ولا تعينه على كتابة أو قراءة سطر واحد، ويكون اللجوء إلى "الإنجليزية" وسيلتهم للتعبير والحديث.. لا نريد جيلًا "متأتئاً" لا يقوى على قول عبارة سليمة، لأنه ببساطة يفتقر إلى المهارات التي تعينه على ذلك.