حينما ظهرت الشابة الصغيرة «شما» ذات السبعة عشر ربيعاً في برنامج تلفزيوني لتقديم موهبتها في الغناء ضمن مواهب أخرى يعج بها البرنامج، وبغض النظر عن رأينا في البرنامج «المستنسخ» والمواهب التي يصورها لنا، فالحديث هنا ليس عن ذلك، وأيضاً ليس عن المشاركة الإماراتية، بل عما صاحب تلك الحلقة بمجرد ظهور هذه الطفلة التي واجهت سيلاً من الاتهامات، وما ليس له معنى من الحديث، تجاوز الخطوط الحمراء إلى ما يقع ضمن أعراض الناس، وهو ما يعتبر منتقداً وعيباً، بل حراماً في مجتمع كان يبغض الخوض في أعراض الناس والتعرض لحياتهم والتحدث في ما لا يجب.
لكن، هذا الجيل الذي تربى على رفاهية كبيرة ودلال مفرط، يبدو أنه ليس فقط يعاني ضحالة العلم وسطحية المعرفة، بل حتى لم يعد يُعر الأخلاق ما تستحقه من الاهتمام والالتزام بقواعد عرفناها وعرفتها الإنسانية، والتمسك بقيم لا تتأثر بأي متغيرات تطرأ على المجتمع، فالنميمة وغيبة الناس من المسلمات التي نهانا عنها ديننا الحنيف، ومن المفترض أن الالتزام بها واجب. لكن يبدو أن هناك بين جيل الأبناء من لا يراعي أبسط القيم، إن كان عن جهل فهناك من يتحمل مسؤولية هذا الجهل، وقد أغفل عن ما يجب ألا يغفل عنه.
أنى لتلك القيم أن تكون جزءاً من حياة أبناءٍ عهدت أسرهم تربيتهم إلى الخدم فتربوا منذ الصغر في أحضان غير أمهاتهم، فلم يتشربوا من أمهاتهم شيئاً من عادات وقيم وثقافة المجتمع، من تلك الأحضان ألقي بهم في مدارس خاصة تدرّس التربية الإسلامية «رغماً عنها»، وبالتالي لا يأخذ الدارس سوى القشور التي لا تسمن ولا تغني من جوع.
مع غياب دور هذه الأسر «الغافلة» عن التربية، وذلك دورها الأهم، والتي تحولت إلى مجرد أجهزة صراف تدفع وتشتري وتنتقي كل جديد، وتضعه بين أيدي الأبناء، أصبح لدى هؤلاء الأبناء كل ما يشتهون وما لا يشتهون، وتعلموا فنون كل جديد تبتكره الشركات المصنعة والمنتجة لأدوات التكنولوجيا، وفقدوا التربية التي تمنع صاحبها من إتيان ما لا يجوز، وما لا يتفق مع قيم أصيلة يجب أن تبقى واقعاً ممارساً في حياتنا.
يرون في الصغيرة «شما» أنها ارتكبت جرماً لا يُغتفر، متناسين أن ما أقدمت عليه أيديهم كان أكبر وأشد وطأة، في ثرثرة لا تجلب لصاحبها إلا الخزي والذنب والعار، من خلال ما اقترفه الكثيرون من التعرض لها ونشر ما يسيء لشخصها ولأسرتها، عبر أجهزة التواصل والاتصال التي يعبثون بها، في غفلة مع جهلهم المشؤوم.