لم أستسغ أبداً تجاهل: كيكو «وهو الاسم الذي أطلقه الصغار على طائر «الكاسكو» الذي اقتنيناه قبل عامين بغرض التسلية، وهو يردد كل العبارات التي يتفوه بها كل من في البيت، وبنبرة صوتهم، كلما مر أحدهم بجانبه، فعند رؤية ابني الكبير نسمعه يردد «ألوووووو» ما التقطه منه هو محادثاته الهاتفية، وحينما يرى الأوسط يردد طلباته التي لا تكاد تنتهي من الأطعمة والعصائر.
وحينما يرى أصغرهم، «ماما.. وين ماما»، وكلما زارنا أحد من الأسرة ردد تماماً ما يقوله الزائر، إلا أنا، كلما رآني قال كلاماً مبهماً غير مفهوم، تتداخل الحروف والكلمات والجمل دون أن أتمكن من فهم ما يقوله، فأخبرت الأولاد أن «كيكو» بدت عليه علامات الخرف، ولا بد من التخلص منه لأنه بات يزعجني بما يردده من كلام غير مفهوم.
وبالفعل فتحت له باب القفص حتى يخرج ولا يعود، لكنه خرج إلى داخل الصالة متنقلاً في الأرجاء، رفعت أمره إلى الأولاد، فإذا بهم ينظرون إلى بعضهم وابتسامات صفراء ظهرت على ملامحهم.
نعم ماذا هناك، سألتهم..؟ فإذا بأكبرهم يقول «ماما إنه يردد ما تقولينه»، ما أقوله؟ وهل جننت يا ولد، هل أنا أتحدث هكذا عبارات متداخلة غير مفهومة، ما يردده هو أقرب إلى إزعاج وتلوث سمعي يتعرض له الانسان.
أجابني هذا ما تمكن من التقاطه ماما.. فأنت عندما تتحدثين إلينا تطلقين عشرات التحذيرات والإنذارات والطلبات دفعة واحدة، فما الذي تتوقعين أن يفهمه «كيكو» حتى يصيغه لك في جملة مفيدة، كما هو حال الآخرين .
جلست إلى نفسي وبدأت أفكر، ووجدت أن الطائر على حق، فهذا هو حالي في معظم أيام الأسبوع مع الأبناء، جملة أوامر وممنوعات نصدرها ونطلب تنفيذها في حركة ربما اقتربت مما يحدث في معسكرات الجيش، وهذا لم يكن حال الأهل معنا عندما كنا صغاراً، إذ كان كل شيء وفق أيامنا متاحاً أمامنا، نخرج إلى الحي بلا استئذان، نلعب كثيراً، برامج الأطفال لا نفوت منها شيئاً، المذاكرة «على الله» وكل شيء على البركة.
هو الحال الذي تبدل، فهل نحن مخطئون في أسلوب تربيتنا أو تعاملنا مع أبنائنا، أم هي الظروف التي فرضت علينا هذا التبديل، وهو واقع علينا تقبله، شئنا أم أبينا، وهل نحن محقون فيما نذهب إليه، أم في حاجة إلى مزيد من فهم الذات، وأن نسمع أصواتنا كما يسمعها طائر الـ «كاسكو».