وأنا أتابع الرسائل اليومية على البريد الإلكتروني، وقفت ملياً عند رسالة لم تزد على سطرين فقط، لم تكن فيها الكلمات الكثيرة ولا الجمل العديدة، فقط بضع كلمات، لكنها كانت مؤثرة، ليس فقط لما حملت من معانٍ، بل لأنها كانت من شخص لم يبرح رأسي يوماً، شخص تعلمت على يديه أصول المهنة حين كان مدرساً في جامعة الإمارات، وحين كنت طالبة في قسم الإعلام فيها.
أما المدرس فهو «تيسير أبو عرجة».. تلقينا على يديه محاضرات وورش عمل في مساقي التحرير الصحافي والإخراج الصحافي، وأما قاعة الدروس التي تخصه فكان الحضور فيها يمتلئ، ولا تتغيب أي طالبة عن محاضراته التي كانت بحق بعيدة عن الملل والروتين، وكنا جميعاً نحرص على حضورها، والمشاركة في النقاشات والحوارات التي كانت سمة محاضرات تيسير أبو عرجة بعيداً عن التلقين، ربما لأنه لم يكن أكاديمياً، بل ممتهناً للصحافة في عدد من الدول العربية من بينها وطنه فلسطين.
تيسير أبو عرجة عرفناه مخلصاً لمهنة الصحافة التي عمل فيها طويلًا فأحبها، وتمكن من أن ينقل ذلك الحب إلينا حتى عشقنا الصحافة، وفيها شعرنا بوجودنا، لتصبح الهواء الذي نستنشقه كل صباح، والماء الذي من غيره نموت.. نقل إلينا خبراته، وكان يهدينا كل يوم زهرة من بساتين الحياة، ويعرفنا بثقافات دول لم نكن نعرف عنها آنذاك الكثير، خاصة دول المغرب العربي التي عمل فيها طويلًا.
وأكثر ما أذكره هنا، وكان يشكل طرائف لا تُنسى، هو لهجتنا المحلية التي لم تكن سهلة عليه في البدايات، لكن سرعان ما أصبح ضليعاً في مفرداتها، وكان يضحك كثيراً على مفردة «استوى» وعنها كان يقول: حين ما تسألني إحداكن «أستاذ يستوي هذا ولا ما يستوي» أشعر وكأني على وشك فتح باب الفرن لأرى الدجاجة استوت أي نضجت وطبخت أم لم تستوِ».. بعدها اعتاد على الكلمة، وأصبح يرددها مثلنا وفي ذات السياق، فضلاً عن أسماء بعض الطالبات التي كانت مشكلة نطق حقيقية بالنسبة إليه، ويستغرب بعضها، مثل «حصة وموزة وحمامة»، وتستوقفه معاني أسماء أخرى فيبدي إعجابه بها.
وأكثر المواقف سعادة الأستاذ تيسير، الذي تأخر في الزواج، حين رزق بابنته داليا.. كان يوماً استثنائياً، ليس بالنسبة له فحسب، بل لكل طالبات الإعلام اللائي شاركن فرحته، وكان السؤال عنها وعن أحوالها منفذاً لإبعاد أي ضيق أو ضجر نتسبب فيه له، إذ تنفرج أساريره وينسى ما كان منا من شقاوة يعلم الله وحده مداها..
بقي أن أذكر الكلمات التي أسعدتني حتى ذرفت الدمع، وهي:
«وأنا أقلب صفحات الجرائد أصل إلى البيان لأقرأ فيها الأجمل والأكثر صدقاً لكاتبة تتميز بروعة الكلمات، وهذه الكاتبة تستحق دائماً منا التقدير والاعتزاز، وهي فضيلة المعيني.. مع خالص المودة. تيسير أبو عرجة».