عند الحديث عن المدن الجديدة التي تستحدثها جهات الاختصاص في أي مكان في العالم، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن أنها منطقة في بداية نموها تحتاج سنوات طويلة حتى تنهض وتكتمل بنيتها التحتية، وتتوافر فيها الخدمات والمرافق العامة، إلا أن زيارة خاطفة إلى مدينة خليفة في أبوظبي، كافية لأن تبدد فكرة أن المدن تحتاج سنوات طويلة حتى تنمو وتكبر.
فبفعل مارد الفكر قبل المادة، أصبحت تلك المساحات الشاسعة في الصحراء، مدناً عصرية أقيمت عليها مشاريع عمرانية وتنموية، تدفع زائرها لأن يفغر فاه ويتساءل متى تم كل ذلك؟ وأي مصباح سحري أخرج المارد من قمقه ليصنع كل هذا في غضون سنوات قليلة؟
مدينة خليفة التي تعج بالحياة والحركة ونهضة عمرانية تمتد على مد النظر، ليست فقط مساحات من الأرض مسحت ومهدت وشقت بأفضل شبكة طرق على مستوى العالم، ومساكن تضم آلاف الأسر الإماراتية، بل مدن تضم مؤسسات تشكل مستقبل البلاد وأبنائها، فلا يمكن بأي حال إلا أن يقف المرء مبهوراً بمبنى جامعة زايد، الذي يعد من أكبر مؤسسات التعليم العالي في الدولة إنفاقاً وأكبرها مساحة، إذ يكفي أن نعلم أن كلفة المبنى بلغت أكثر من مليار دولار.
وأكثر من ذلك، فإنها تستقطب خبرات أكاديمية عالمية أهلتها لتكون وجهة طلبة من أكثر من 24 دولة، بمجرد فتح المجال أمام غير المواطنين للدراسة فيها، وها هم اليوم يفدون إلى جامعة زايد لينهلوا من علومها في تخصصات مهمة وبرامج تطرحها هذه الجامعة، التي حجزت مقعدها إلى جانب أكثر الجامعات عراقة في العالم.
جامعة زايد التي يفخر المرء بوجود مثلها على هذه الأرض، ولها في قبل كل إنسان من الحب الكثير والتقدير ما تعجز الكلمات عن وصفه، ليس فقط لأنها تحمل اسماً كبيراً وعزيزاً، بل لأن مؤسسها وبانيها أراد لها حين أنشأها في العام 1998، أن تكون مختلفة ومتميزة في كل شيء، ولم يبخل عليها بشيء في تلك السنوات.
رحل الباني الذي خلف على هذه الأرض رجالاً أكملوا المسيرة وساروا على النهج الذي وضعه، في اهتمامه بالإنسان الذي أعطاه جل رعايته وعنايته، انطلاقاً من أنه الأساس الأعظم لبناء الأوطان، فمتى ما كان الإنسان متعلماً ومثقفاً كان كل شيء له ممكناً.
إن اهتمام القيادة السياسية ببناء الإنسان وتعليمه حتى يحصل على ما يصبو إليه، قطعاً هو السبيل الذي يقطع الطريق على من يبغي السوء للوطن، وبالتأكيد هو الحماية الحقيقية لمستقبل ينتظر منه الكثير، فما غير سلاح العلم والتعلم يجعل الإنسان آمناً والدول محصنة من كل شر. فكم من نظام سياسي على مر العصور أهمل مواطنيه وانشغل بتأمين الحماية له عبر ترسانات السلاح والعتاد، فما أفادهم كل ذلك ولم تتمكن النار والحديد من صد هجمات شعوب أرادت لها الأنظمة أن تحيا حياة الفقر والجهل والذل والعبودية، ليرتد كل ذلك عليها.