لا شك أن الكثيرين ممن تلقوا الرسالة القصيرة عن وفاة شاب إماراتي كانت برفقته فتاة عربية، إثر حادث سير، ساءهم جداً ما ورد من تعليق كاتب الرسالة التي سرعان ما أخذت طريقها إلى "البرودكاست"، وأصبحت في لحظة بين يدي الآلاف ممن ابتلوا بآفة إعادة إرسال الرسالة إلى من يتواجدون معهم في القائمة، بغض النظر عن صحة ما في الرسالة من معلومات أو عدم صحته.

المثير في الرسالة التي طارت بسرعة البرق بين أصحاب هذه الأجهزة، أن المرأة كانت زوجة الرجل المتوفى، رحمة الله عليه، فبادر البعض بالاعتذار طالباً أن يصفح الله عنه لما بدر منه، لائماً نفسه على مجاراة من أرسل له الرسالة وقام بدوره بإعادة الإرسال، مبرراً فعلته بأننا مجتمع متسرع.

ولا شك أيضاً أن هذه الرسالة قد خلفت لدى ذوي الفقيد ومعارفه ألماً أعظم من حزنهم على فقد ابن شاب، فإن تأثير الرسالة على من لا يعرف المتوفى أليم، فما بالنا بأهله وقد طال الاتهام سمعة ابنهم، فقط لأن امرأة كانت برفقته، بسبب العابثين ومسيئي استخدام هذه التقنية، الذين تسرعوا من غير أن يعلموا أن المرأة زوجته.

في هذه الحادثة وما سبقها، ما حدث قد حدث ولا لوم يجدي بعد سكب اللبن، ولكن من يستسهل مثل هذه الأمور ويسرع في الحكم على الناس ويؤلب الرأي العام على الآخرين، ويسقط حادثاً معيناً على أحداث ومواقف مجتمعية وممارسات بعينها، لا بد أن يتخذ من هذه الحادثة مناسبة لأن يعد النفس بالإقلاع عن هذه العادة التي تسيء إلى صاحبها أكثر من غيره، فضلًا عن الآثار السلبية لمثل هذه الممارسات على المجتمع، حين لا يشعر الفرد فيه بالأمان وتصبح حياة الناس وسمعتهم وأعراضهم لعبة في يد البعض، وخصوصياتهم تنتهك أحياء وأمواتاً.

تقع المسؤولية على جهات الاختصاص التي تكون فيها المعلومات متاحة أمام العاملين لديها، ويعلمون بحكم عملهم وتواجدهم في الموقف ما لا يكون مسموحاً به لغيرهم، فيجب أن يلتزم هؤلاء بأداء الواجب بعيداً عن هوس السبق والإثارة، والحفاظ على سرية المعلومات من أولويات أي عمل.

أكثر من هذا وذاك، فليس من حق أحد أن يكون وصياً على الناس يسائلهم ويحاسبهم ويعاقبهم ويتحدث في ما لا شأن له فيه، وليته يتحدث بالحق أو يقول الصواب. للحساب والعقاب سلطات تدرك جيداً ما عليها فعله، والمشاركات الشعبية التي تسلكها للفت الأنظار إلى أهميتها ونيل التفاعل الشعبي والاهتمام الإعلامي، لا تصلح الحريات الشخصية لأن تكون مادتها، ولا المساس بحرمات الموتى وسيلة لتحقيقها.