أيام حافلة بالتكريم عاشتها الأمهات خلال الأيام الفائتة حين أعلن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، يوم توليه الحكم في دبي يوما للأم الذي اعتبرها سر الوجود ودعا الأبناء والمجتمع إلى تكريمها، ولبى الجميع الدعوة وسعدنا كأمهات بالشهادة الإلكترونية التي تحمل إمضاء سموه وكلمات جميلة خص بها الأم في كل مكان بلا استثناء.
بكل حب سرد الشيخ محمد بن راشد ذكريات جميلة عاشها مع والدته الشيخة لطيفة بنت حمدان آل نهيان، لعل أجملها تلك التي كانت تجمعها معهم على مائدة الفطور صباحا وما يدور في تلك اللحظات من أحاديث يعقبها دعاء من قلب أم حان يرافق الابن في بداية يوم عمل يكلل بالنجاح، وهذا هو شأن كل أم، وأراد الشيخ بدوره أن يستمع إلى ذكريات متتبعيه وأصدقائه على صفحته الإلكترونية، وكان له ما أراد في تفاعل غير مسبوق تجاوب الآلاف من الداخل والخارج وانضموا إلى المشاركة الشائقة.
في هذا اليوم استميح القراء عذرا للحديث عن ذكريات باقية عن والدتي رحمة الله عليها التي توفاها الله في الثالث من أكتوبر 2001 ، كان يوما بحق من أقسى الأيام لا تزال مرارته ماثلة وهذا بلا شك حال كل بيت فقد الأم.
في بيتنا والذي يضم 4 شقيقات وشقيقين كانت الوالدة تكنى بين أشقائها بأم البنات حيث أنجبت 4 إناث، والنفس تتوق لولد ذكر، ولا ننسى بالطبع نحن البنات كيف أصبح الحال بعد مقدم الولدين وبين 4 بنات وولدين كان البيت الكبير البسيط يشهد كل يوم قصصا بين شقاوة وخناقات لا تتوقف كانت البطولة فيها على الدوام أنثوية ولها الغلبة بحكم العدد ما لم يكن هناك تدخلا لصالح الأولاد.
في الصباح كان تناول الإفطار سريعاً عند موقد الخبز، وكان خبز الرقاق الساخن المحلى بالسكر وفوقه السمن من ألذ ما نتناوله برفقة أبناء وبنات العائلة حيث كنا نعيش ضمن العائلة الممتدة وينضم إلينا أولاد الجيران قبل أن نتوجه إلى مدارسنا.
ساعات قليلة ونعود إلى البيت حيث تجمعنا صينية مصنوعة من معدن «التنك» على وجبة الغداء البسيطة الذي أعدته الوالدة نستلذ معها في اللقمة، وكانت الصينية تشهد أيضا صراع الأيدي وتزيد حين تظفر يد واحدة برأس السمكة مع وعيد وتهديد من البقية تنتهي بتنظيف الصينية.
الرابعة عصراً كانت من أجمل الأوقات نستعد لها بالانتهاء من الواجبات المدرسية حيث جهاز التلفاز الوحيد يبدأ إرساله بالسلام الوطني فتلاوة القرآن ثم فترة الرسوم المتحركة تنتهي عند السادسة، وفي الثامنة مساء نجلس مع الكبار لمتابعة مسلسلات أجنبية مترجمة ليس مهما أن نعرف كل الحوار تكفينا مشاهدة الأحداث.
يوم الأربعاء كان أيضا مميزا وننتظره بفارغ الصبر هو يوم صدور مجلة «ماجد» من يتلقفها أولا يستأثر بها وكثيرا ما كان ينتهي الحال بالمجلة لأن تتمزق بين أيدينا إلى أن قررت الوالدة رحمها الله شراء نسختين في الأسبوع درءاً لهذا الصداع اللا مبرر.
المواقف كانت كفيلة بأن تكون الجلسات الهادئة عديدة حيث تروي لنا الأم فيها القصص والحكايات وتسرد أحداثا سمعتها وأي معلومة كانت تريد إيصالها إلينا كانت القصة بما فيها سبيلها إلى تعزيز موقف إيجابي أو النهي عما تراه سلبا، وعند ارتكاب أي خطأ أو إهمال في الدرس أو في تحفيظ القرآن الكريم عند المطوع والمطوعة كانت نظرة العين كافية والقرص كان عقابا بدنيا كافيا للتأديب والتوبة.
مرت الأيام وعندما كبرنا عرفنا حقيقة مواقف بسيطة كنا نتذكرها معها رحمة الله عليها ونضحك، وبعد فراقها أدركنا مدى الحكمة التي كانت تتمتع بها هي وأمهات أخريات لم يطأن المدارس ولم يعرفن الجامعات لكنهن أوتين فضلا وحكمة، وكان المجتمع ببساطته وما تربى عليه الناس وما اكتسبوه من العادات والتقاليد أكثر حكمة وعلما مما تفرزه اليوم أكبر مؤسسات التعليم تطوراً.
ولعلها مناسبة والحديث عن تكريم الأم ألا تغفل المؤسسات تكريم شخصيتين آتى على يديهما في دولتنا الإمارات الكثير من الأبناء وهما الطبيبتان زينب كاظم في دبي، وزليخة داوود في الشارقة.
رحم الله أمهاتنا وغفر لهن.