لطالما تمنيت تحقيق نصيحة الأخت "سعاد النعيمي" من غرفة القيادة والسيطرة في شرطة دبي، في نهاية تقديمها نشرة أحوال الطرقات وحوادث السير فيها، والتي تذيلها "أنصحكم بترك مسافة بين المركبة والأخرى واستخدام الطرق البديلة"، أما الطرق البديلة فلا خلاص لمن يقع بين كثافة السيارات ويحشر في وسطها، سوى الإذعان للأمر الواقع، وليس أمام الواحد منهم سوى الصبر والدعاء بقرب الفرج.

وأما ترك مسافة بين السيارة والتي تسبقها، فهذا مستحيل في طرقات الإمارات يستحق أن ندرجه في المستحيلات الأخرى، أو ربما عجائب الدنيا السبع.. فمهما كان السائق ملتزماً ومهما حاول التقيد بهذا الفعل في النظام المروري، فهو غير مجد ولا يتم، لأن هناك من يزج بنفسه و"بوز" سيارته إلى هذه المسافة، مهما كانت صغيرة ولا تتسع لسيارة من اليمين أو اليسار، ولا يكون نصيب من التزم سوى الغضب والامتعاض من عشرات لا يلتزمون بأبسط قواعد النظام، ولا يتوانون عن تعريض حياة الآخرين وسلامتهم للخطر.

أتمنى مثل غيري أن يمر يوم دون أن أشاهد حادث سير، كبيراً كان أم بسيطاً، وسؤال لا يبرح رأسي كلما رأيت حادثاً، حول أسباب وقوع حوادث مرورية بهذا الكم في طرقات لا ينقصها شيء، فهي واسعة شيدت وفق أحدث المواصفات، الخطوط فيها واضحة واللوحات المرورية الإرشادية موجودة.

والإشارات الضوئية تعمل بكفاءة تعطي لكل وقته ومجاله ومسيره، وعلى الرغم من ذلك لا يكاد طريق يخلو من حادث، حتى الجسور والأنفاق التي يعد المرور من فوقها وداخلها متعة بحد ذاتها، عندنا هي مسرح لسفك الدماء وقتل الأنفس وإتلاف هذه الممتلكات في لحظة.

لماذا؟.. لماذا لا تقع هذه الحوادث في دول أخرى، العديد منها طرقاتها إما متهالكة وإما ينقصها الكثير حتى تكون الحركة فيها طبيعية، وعلى الرغم من ذلك يلتزم فيها السائقون بخط سيرهم، ولا يحدث أن نرى فيها حادثاً أو حتى رجل مرور إلا فيما ندر.

سمة الطرقات في دول العالم أجمع، التعاون بين السائقين، فتجمع بينهم لغة اليد كما هو الحال في الدول العربية، أو بلغة "الشتائم" أو لغة الإشارة في السيارة.. أما عندنا فالحال مغاير لكل ذلك، كل يقود وفق ما يشاء، والتحدي عنوان القيادة بين معظم السائقين ذكوراً وإناثاً.

عند الإشارات الضوئية مثلًا، ما أن يتغير اللون الأحمر إلى البرتقالي حتى تتصاعد أصوات الأبواق من السيارات الخلفية تنبه السيارات في الأمام لتتحرك، والويل لمن كان في اليسار ولم ينتقل بسرعة البرق إلى اليمين ليفسح الطريق لطائر خلفه، ليجد نفسه فجأة خلف سيارة تنوي السير يساراً ثانية.

باختصار؛ طرقاتنا تقودها العصبية والأمزجة المتقلبة، وتهور ورعونة البعض، وتبقى في النهاية الأمنيات بطرق خالية من الحوادث مؤجلة إلى حين.