أية حملة توعوية، وتحديداً المرورية، ستبقى رسالتها ناقصة، ولا تؤدي الغرض المنشود، ما لم تصل إلى كل الفئات المستهدفة، باللغة التي تفهمها، وفي الوقت المناسب.
حملة حظر استخدام أجهزة الاتصال أثناء القيادة، على الرغم من أهميتها القصوى، والتي تأثر بها الكثيرون خلال أيام من إطلاقها، وتغيرت عاداتهم الخاطئة التي أودت بحياة شباب في عمر الزهور لانشغالهم بهذه الوسيلة السحرية التي وقع أسيرها الكبير والصغير، لكن ليس العرب وحدهم أسرى هذا السلوك المهلك، وليسوا وحدهم من يتسبب في حوادث سير قاتلة بسبب هذا الانشغال المدمر، أو غيره من العادات التي تتسبب في وقوع حوادث مرورية، من الممكن تفاديها وتجنب آثارها، بقليل من الالتزام بالنظام، وكثير من التوعية والتثقيف بأبجديات الطريق وحرمته واحترامها.
وبالتالي، وحتى تكون الرسالة الإعلامية فاعلة ومؤثرة، لا بد من أن تكون كاملة وواضحة، وتصل إلى الجميع بلا لبس ولا تشويه. ومن الجميل أن تكون اللغة، خاصة التي يكون مصدرها السلطات الأمنية، تبتعد عن لهجة الوعيد والتهديد، لأنها ببساطة لم تعد تتناسب مع لغة العصر، ولا تنسجم مع الإطار الذي يجب أن يحكم العلاقة بين الشعب والشرطة، التي تمكنت خلال السنوات الماضية من تكريس نفسها كشريك استراتيجي يدعم كل الخطط التي تستهدف خدمة المجتمع وصالح الناس، ولم تعد ذلك الجهاز لتخويف من يخطئ.
لكن المثير في حملة منع استخدام أجهزة الهاتف، والتي من المفترض أن تتكامل خلالها الأدوار في نشر هذه الثقافة التي تحفظ لنا الأرواح والممتلكات، خاصة وسائل الإعلام بمختلف أشكالها، وأكثرها فاعلية بلا منازع المذياع، نعم هو جهاز يخلو منه معظم البيوت، لكنه بالطبع موجود في كل سيارة.
حيث برامجه تكون سلوى للسائق في الطريق. لكن ما نلاحظه أن البرامج المباشرة تدعو جموع المستمعين إلى التفاعل معها والمشاركة بالرأي في موضوع الحلقة، أو طلب أغنية أو نشيد، أو إعلام المذيعين في الإذاعات بأحوال الطرق عبر أرقام يتواصلون معها، بل إن بعض الإذاعات خصصت "بن كود" لجهاز البلاك بيري لتلقي الرسائل النصية والمشاركات، وهذا يعارض كل الجهود الداعية إلى منع استخدام أجهزة الهاتف أثناء القيادة، والرامية لنشر هذه الثقافة بين الناس، فكيف يكون الإعلام يداً تبني وأخرى تنسف؟
بقي أن أقول إننا بحاجة إلى ما هو أكبر من شعارات نطلقها، وإلى ممارسة عملية لما ندعو إليه، ليس من أجل العرض والاستعراض، بل من أجل أفكار نؤمن بها وقناعات تسكننا.