منظر الأطفال مساء الجمعة الماضي، وهم يتجولون ليلة منتصف شهر شعبان، أعادها الله علينا، طلباً لحق الليلة بين الأزقة والأحياء السكنية، وهم يطرقون أبواب البيوت التي يحق لنا أن نسميها السعيدة والمحظوظة، لأنها تقع ضمن أحياء لا تزال تحافظ على هذا التقليد الجميل الذي لن ننساه ما حيينا، لأنه جزء من تراث تليد نتمنى أن يبقى ويستمر ولا يندثر ككثير غيره، المنظر لا شك أنه أعاد إلى أذهان الأجداد والجدات .

ومن جاء بعدهم من جيل الستينيات والسبعينيات، وكذلك الثمانينيات، ماضياً جميلاً، ومناسبة قريبة إلى النفس، كان الجميع يستعد لها بما يليق بها كمناسبة دينية واجتماعية مهمة، استعداداً لاستقبال ضيف كريم يحل خفيفاً ويرحل سريعاً، وقد هل على البلاد والعباد الخير الكثير واليمن والبركة، وفاز من استثمر تلك الزيارة، الاستعدادات كانت بسيطة بساطة المجتمع آنذاك، لكنها كانت كبيرة في نفوس من عاشها..

تبدأ بخياطة الملابس الجديدة، و«الخرايط» وهي أكياس من القماش تملأ قبيل أذان المغرب بأنواع الحلوى والمكسرات، أما شراب «الفيمتو» وغيره من أنواع الشربات والماء المثلج، فقد كان المتعة الكبرى بعد ساعات من المشي والتجوال في الأحياء القريبة وكذلك البعيدة.

يوم الجمعة الماضي كان المنظر جميلاً، فملابس الصغار اليوم أكثر أناقة وأغلى سعراً، والأكياس كذلك والطرقات نظيفة ولم تعد ترابية كما كانت، لكن شابه ما أفقده تفاصيل جميلة عشناها من قبل، ولم تعد متاحة، لعل أهمها الألفة التي كانت سائدة بين الأهالي، إذ كان الصغار يخرجون في جماعات إلى الفرجان.

وأقسى خطر كان يواجههم هو كلب شرس أو تيس فحل ذو قرنين كبيرين يخيف من أمامه من الصغار، أو ولد شقي يدعي رغبته في كم مما جمعته الفتيات من حلوى، ويدخل يده في خريطتها ويأخذ منها عنوة بعضها، ثم يهرب تاركاً إياها تبكي على ما ضاع منها من حلوى حق الليلة.أما اليوم فالصغار لا يخرجون إلا تحت مراقبة الأهل، يتبعونهم في سياراتهم أو يتجولون برفقة الخدم، وكأنهم فقدوا الألفة والطمأنينة، أو كأن الدار لم تعد كما كانت آمنة بأهلها ومن فيها، ولم يعد للأهالي أن يطمئنوا لخروج أبنائهم من غير رقيب.. ولو داخل الأحياء وبين المنازل.