قبل أيام تلقيت دعوة من مركز دبي للإحصاء لحضور محاضرة ينظمها المركز للعاملين لديه، وعلى الرغم من مشاعر الامتنان التي أبديتها، إلا أنني تساءلت: ما الذي سأجنيه من محاضرة في الإحصاء، وأنا التي لم أحب يوماً مادة الرياضيات بمختلف فروعها؟
وما الذي من الممكن أن يجذبني ويجعلني أتحمل محاضرة في تخصص لا أحبه، هذا على الرغم من أهمية علم الإحصاء في جمع ووصف وتفسير البيانات وما إلى ذلك؟ على سبيل المجاملة، ذهبت إلى منطقة الروية .
حيث موقع مركز دبي الإحصاء، وقد اختيرت قاعات جامعة حمدان بن محمد الإلكترونية مكاناً لها، أما المحاضرة فقد كانت على هيئة برنامج تدريب بعنوان «استشراف المستقبل»، ألقاها الدكتور أيوب الأيوب من دولة الكويت، وحضرها عدد كبير من الموظفين والموظفات العاملين في إحصاء دبي، ولم يستأثر المركز بالمحاضرة لموظفيه، فقد دعي موظفون من دوائر أخرى ليستفيدوا كذلك.
والحق أنه ليس من باب الدعاية للمحاضر أو مقدم البرنامج، فقد كانت المحاضرة شيقة ممتعة بكل المقاييس، حيث استحوذ الدكتور الأيوب على مدى أكثر من ساعتين على انتباه الحضور، وتمكن من أن يحدث تنشيطاً لمعلومات سابقة، كنت أحسب أنها توارت في غياهب الذاكرة، من سنين طويلة، وبسبب عدم الاستدعاء، كشأن مختلف المعلومات التي يهملها الدماغ البشري حينما لا يكون في حاجة فعلية إليها.
لم يكن موضوع المحاضرة خاصاً بالإحصاء، والبرنامج لم يكن مصمماً فقط للإحصائيين، بل شاملاً، ما يجعله ضرورياً لأصحاب كل تخصص بحيث يستفيدون ويستزيدون منه، فمن منا ليس في حاجة إلى التعرف إلى الأساليب العلمية لاستشراف المستقبل؟ فعبر هذه الأساليب، يمكن لأي مسؤول أن يضع خططه الاستراتيجية، وبرامج تطوير مؤسسته على أسس علمية سليمة، .
لذلك كانت المحاضرة مختلفة كلياً وجزئياً، عن معظم المحاضرات الجافة التي يتم تنظيمها في مؤسساتنا، والتي يذهب إليها الموظفون وهم يجرجرون أقدامهم، وحينما تبدأ يتابعونها بأعين نصف مغلقة، وقلوب عليها أقفالها، ونفوس تتوق إلى نقطة النهاية، مثلما يتوق التلاميذ الصغار إلى جرس الفسحة!
هذا هو حال معظم المحاضرات التي ينظمها معظم المؤسسات للعاملين لديها، بهدف تنمية قدراتهم والارتقاء بمهاراتهم، وتصر في كل مرة إما على الإغراق في التخصص بشكل ممل، أو تقديمها بشكل سطحي لا يضيف جديدا، في حين تكون حاجة الموظف كبيرة بين حين وآخر إلى ما يعمل على إزالة ما ترسب في رأسه وإنعاش الذاكرة بالجديد. برنامج مركز دبي للإحصاء حول الاستشراف وأنواعه وما حفل به من مفاتيح للتفكير المنهجي المنظم، يمثل خروجاً عن المألوف، ويقدم بشكل شيق التدريب بصورة ديناميكية، وهو ما نتمنى من كل مؤسساتنا أن تهتم به.