«البنداري عطية 59 سنة» مصري الجنسية، معلم مادة اللغة العربية في مدرسة الرازي للتعليم الأساسي في دبي، شهدت ساحة مدرسته التي أحبها وملأ أرجاءها صباح كل يوم عشقا لمهنة أخلص فيها وأعطاها من عرقه حتى اللحظة الأخيرة. دقائق لم تزد على الـ10 كانت الفيصل بين العطاء ونهاية عمر أفناه في فصول الدرس يعلم الأبناء أصول اللغة العربية، لم تفلح معها كل المحاولات لإنعاش قلبه الذي أصر أن يتوقف عند تلك اللحظة، .
ويحرم من أحبه ـ رحمة الله عليه ـ من رؤية بشاشة وحماس هذا المعلم الشغوف بأداء أمانة رسالة حملها على عاتقه، المحب لكل شبر من مدرسته ومن فيها من زملاء وأبناء، وتقع الوفاة كالصاعقة التي ألجمت الألسنة وأحالت المدرسة في جلسة العزاء، إلى ما يشبه الصمت الأكثر بلاغة في وصف الحال.
«البنداري» لا يعرفه بشخصه إلا من هم معه، لكن نعرفه والآلاف من أبناء العروبة الذين اتخذوا هذه الأرض سكنا وأهلها أهلا، وأخلصوا لها منذ ما قبل قيام الدولة الاتحادية، فحق لهؤلاء أينما كانوا على هذه البقعة أن نطبع القبل على جباههم ونؤدي لهم التحية فردا فردا.
«البنداري» تقول صحيفته في مدرسته التي قضى فيها نحو 13 عاما، إنه كان مثالا للمربي، ودرجة الامتياز كانت بمثابة العلامة التربوية التي لم يتنازل عنها في تقارير المدرسة التقييمية.
كان واحدا من الرعيل الأول الذي كلما زادت سنوات عمله في هذه المهنة سكنته وأصبحت جزءا أصيلا منه، فلم يستطع العودة إلى وطنه وبقي هنا حتى الوفاة بين طلبته ورفاق الفصل.. وكم كان القدر قاسياً حين أبى أن يمهله أياما حتى نهاية السنة الدراسية، فيذهب إلى أهله طائرا محملا بالشوق والحنين، يقضي بينهم إجازته الصيفية ليعود من جديد إلى من عشق وظل مولعا بها.
وحيث ما الإحسان إلا جزاء للإحسان والطيبة ودماثة الخلق وما زرعه «البنداري»، فلم يكن الحصاد إلا بمثل ما زرع حيث هب الجميع من هنا وهناك، كل يعمل من أجل إكرامه بعد الممات كما عاش كريما في حياته، بالإسراع في توصيل جثمانه إلى أهله وذويه في بلدته بعيدا عن روتين الإجراء.
رحل المعلم والمربي مخلفا وراءه سيرة عطرة وذكريات طويلة، وإن كانت نهايتها مؤلمة.. رحم الله موتانا.