في ليلة الثاني عشر من يوليو عام 1998، كانت باريس تستعد لنهائي كأس العالم، بينما كانت أنظار العالم كلها تتجه إلى شاب في الثانية والعشرين اسمه رونالدو نازاريو.

كان الظاهرة قد سبق عمره بسنوات، وحصد جائزة أفضل لاعب في العالم لعامين متتاليين، حتى بدا أن البرازيل، حاملة اللقب والمكتظة بالنجوم، تدخل نهائي باريس معلقة به وحده دون سواه.

وقبل ساعات من صافرة البداية، تسرب الخبر الذي أربك كل شيء، عارض صحي مفاجئ، وحديث عن نوبة تشنج، واسمه يغيب عن التشكيلة ثم يعود إليها فجأة. وكان ذلك كافياً ليغير أجواء النهائي قبل أن تبدأ المباراة.

شارك رونالدو، لكن الذي ظهر فوق الميدان كان باهتاً، ثقيلاً، أقرب إلى شبح الظاهرة. بعد تسعين دقيقة، كانت فرنسا بطلة للعالم بثلاثية نظيفة.

انتهت المباراة، وبدأت حكاية أخرى: من أعاد رونالدو؟ هل كان قادراً على اللعب؟ وهل ضغطت الشركة الراعية؟ تكاثرت الأسئلة، وملأت الشائعات فراغ الإجابات، حتى صار ما جرى قبل النهائي أكثر تداولاً مما جرى فيه.

وفي زحام الروايات، غابت حقيقة أن البرازيل كانت حاملة اللقب ومنتخباً يملك ما يعوض غياب أي لاعب، وربما كان تضخيم الخبر أثقل على الفريق من الغياب نفسه. وفي المقابل، أحسنت فرنسا استثمار أرضها وجمهورها واضطراب منافسها، وكان زيدان حاضراً برأسه مرتين في اللحظات الحاسمة.

ومع ذلك، عاش سؤال: «ماذا حدث لرونالدو؟» أطول من سؤال: «كيف فعلها زيدان ورفاقه؟».

هذه المفارقة أعادتني إلى غوستاف لوبون، المفكر الفرنسي الذي درس سيكولوجية الجماهير قبل أكثر من قرن: رأى أن الجماهير لا تتعامل مع الأفكار بالطريقة نفسها التي يتعامل بها الفرد؛ فهي تتأثر بما يوافق مشاعرها أكثر مما يثبته الدليل، ويزداد اطمئنانها إلى الفكرة كلما شاع تداولها. لذلك تكفي فكرة تلامس خوفاً قديماً أو اعتقاداً سابقاً، حتى يصبح تكرارها عند الناس أبلغ من برهانها.

ولذلك كانت كرة القدم بيئة خصبة لمثل هذه الروايات؛ فخبر قد يكون صحيحاً، أو تصريح يحتمل التأويل، أو خطأ تحكيمي، قد يفتح الباب لرواية تكبر مع كل تكرار، حتى يصبح ما دار حول المباراة أهم مما دار فيها.

وأرى أن في الأمر ما يتجاوز فلسفة لوبون؛ فالرواية لا تمتد إلا إذا صادفت نفساً مهيأة لتصديقها، وليس ما يهيئها أكثر من هاجس الخروج الذي يصاحب الحلم في البطولات الإقصائية حتى المباراة النهائية، فهناك لا تنتهي مباراة، بل تنتهي معها رحلة، ولا يخسر فريق، بل يضيع حلم. ولهذا يبقى أقسى ما في كرة القدم هو خروج المغلوب.