اطرح على مهتم سؤالاً تريد رأيه عمّا يهدف الوصول إليه، الأديب علي عبيد الهاملي، عبر مؤلفه «دوائر النمل»؟ سيجيبك بأنه قال كل شيء، يمكن للشخص العادي أن يفكر فيه، لكن مهتماً آخر مختلفاً، سيقول:

«إن النملة في كتابه ترمز إلى الإنسان، العامل، العابر للجغرافيا، المعلق بين الالتزام والاستخدام القسري، بين ازدحام الحياة وبين العلاقات الاجتماعية، وما تسببه من نجاحات وفشلات». هل إجابات مقتضبة كهذه تكفي، لا قضية غيرها يمكن الحديث عنها؟

إن الكاتب تجاوز بكائنهِ الصغير - النملة - عالم الحشرات إلى عالم الإنسان والمجتمع، بما فيه من تعقيدات وتشابكات، وفي الصفحات الأخيرة أخرج كأنه من الحكاية لتأوي إلى بيتها في وادي النمل، تاركة لنا وراء الأكمة الكثير من الكلام المؤجل، ينتظر الكشف والإشارة.

يقال: إن تحويل كائن صغير إلى مرآة عاكسة للوجود الإنساني بما فيه من عمل، ووفاء، وضغوطات اجتماعية، يتيح لنا اجتماعياً وإنسانياً قراءة متعددة الطبقات، لا سيما أن العمل مزج فيه الكاتب الإدهاش بالبساطة، لكن البعد التأملي أخرج العمل بوصفه حكاية، ليصبح الرواية متعددة الأصوات، كونه اكتسب رؤية ومعنى. الحكاية قد تكون خبراً أحياناً.

في قراءتي المتسرعة للعمل صاحبتني خشية، أساسها فكرة: إن تمدد الحكاية قد يعرض محتوى العمل إلى الترهل. هذا تحذير، لكن سرعان ما تم إسعافي بالطمأنينة صنعها البناء، الذي جاء محكماً إلى حد كبير. مع اختلاف البعض على أن العمل يتموضع في منطقة وسطى، لا هو رواية تقليدية، ولا هو حكاية بالمعنى المألوف. الوسطى هذه قلما يقبل على قراءتها، ويتمتع بها سوى الذين يؤمنون بأهمية التجريب ابتغاء لحداثة أفضل.

انطباعي الموضوعي أن العمل ذكي في المحتوى؛ إذ يمنح أي قارئ شعوراً أنه المقصود في واحدة من هذه الإشكاليات أو المآزق، لكن الإبداع هنا من حيث التركيب هو: جعل كائن صغير مدخلاً للأسئلة الكبرى التي تطال الإنسان، وهذا هو الإبداع.