في لعبة الكراسي الموسيقية، الجميع يدور حول المقاعد حتى تتوقف الموسيقى فجأة. من يجد كرسيّاً يجلس، ومن لا يجد يخرج من اللعبة. في بعض المؤسسات، لا تتوقف الموسيقى أبداً. الكراسي تتحرك، المسميات تتغير، لكن الأسماء نفسها تعود لتجلس مرة بعد أخرى. وهنا لا يكون الهيكل التنظيمي أداة لإدارة العمل، بل مسرحاً لإعادة توزيع الأدوار.

حين تتحرك الأسماء... لا تتحرك المؤسسة

التغيير الإداري ضرورة صحية في أي كيان ديناميكي، لكنه يفقد قيمته عندما يتحول إلى نمط متكرر داخل دائرة محدودة، حيث تنتقل المجموعة نفسها من إدارة إلى أخرى، ومن قطاع إلى آخر، دون أن تتسع قاعدة القيادة. في الظاهر هناك حركة، في العمق لا يوجد تقدم.

المؤسسة التي تتحرك فيها الكراسي أكثر مما تتحرك فيها الاستراتيجيات، تبدو نشطة، لكنها تفتقد التراكم الحقيقي. الاستراتيجية تحتاج وقتاً لتنضج، والتنفيذ يحتاج استقراراً ليُقاس أثره. أما التدوير المستمر، فيقطع دورة النضج قبل اكتمالها.

وهم الديناميكية

غالباً ما يُبرر هذا التدوير باعتباره «تنوع خبرات» أو «مرونة إدارية». لكن المرونة لا تعني إعادة توزيع الأسماء نفسها، بل توسيع دائرة المسؤولية وإتاحة الفرصة لطاقات جديدة. الهيكل التنظيمي ليس لوحة لتبديل المسميات، بل منظومة مسؤوليات وصلاحيات ومساءلة. وحين يصبح المنصب محطة انتقال داخل دائرة مغلقة، تتراجع عناصر أساسية:

• وضوح الرؤية

• استقرار التنفيذ

• تراكم الخبرة المؤسسية

المؤسسة لا تحتاج حركة شكلية، بل تقدماً حقيقياً

الحوكمة تُختبر في التعيينات

اللوائح قد تكون مكتوبة بإتقان، لكن الحوكمة الحقيقية تظهر في قرارات الترقية والتعيين.

هل المعايير واضحة؟

هل الفرص معلنة؟

هل الأداء هو الفيصل؟

أم أن القرار يدور داخل نطاق ضيق لا يتغير؟

حين تغيب الشفافية، يبدأ الشك. وحين يبدأ الشك، يتراجع الانتماء. الموظفون لا يطالبون بامتيازات خاصة، بل بفرص عادلة تُبنى على الكفاءة.

تكلفة غير مرئية

أخطر ما في «مسرحة» الهيكل التنظيمي ليس تبديل المواقع، بل الرسائل الضمنية التي تصل إلى بقية المؤسسة. حين يرى الموظف أن المناصب العليا تتداول داخل دائرة محدودة، ينخفض سقف طموحه. إدراكاً بأن المسار مغلق. يستمر العمل، لكن يختفي الحماس. يبقى الأداء، لكن يتراجع الشغف، والمؤسسة التي تفقد طموح أفرادها، تفقد قدرتها على التجدد. لأن التجدد لا يأتي من إعادة توزيع الوجوه نفسها، بل من إدخال أفكار وقيادات جديدة.

الاستدامة تحتاج تجديداً حقيقياً

المؤسسات المستدامة لا تخاف من إدخال دماء جديدة، ولا ترى في توسيع قاعدة القيادة تهديداً، بل ضماناً للاستمرارية. الاستقرار لا يعني الثبات على الأشخاص، بل الثبات على المعايير. والتغيير الصحي لا يعني تبديل المقاعد، بل تطوير المنظومة. القيادة مسؤولية مؤقتة، وليست ملكية دائمة. والقائد الحقيقي يقاس بعدد القيادات التي صنعها، لا بعدد المواقع التي شغلها.

حين يتحول الهيكل التنظيمي إلى مسرح، تبدو الحركة مستمرة، لكن الجوهر ثابت. ولعبة الكراسي الموسيقية قد تمنح إحساساً بالحيوية، لكن المؤسسات لا تُدار بالموسيقى، بل بالحوكمة، وتكافؤ الفرص، واستدامة الرؤية. فالمنصب ليس عرضاً عابراً، بل أمانة مؤسسية. وحين تُدار الكراسي بعناية أكبر من إدارة الاستراتيجية، يبقى المسرح مضاءً... بينما تتباطأ المؤسسة في الكواليس.