في اليومين الماضيين أمطرت السماء في ليلة لمدة ساعتين غيثاً كنا ننتظره بشوق ورجاء، كان كافياً لنقل حالنا إلى مزاج أفضل، وراحة نفسية مفعمة بالحمد والتفاؤل، ثمة برودة منعشة، نسمات تجعلك مبتهجاً، لكن بحذر تجعلك تهتم بنوع الملابس للتحوط.
عندما خرجت فجراً لممارسة الجري كالعادة، وجدت من سبقني إلى هذا البهاء المشمس بعد ليلة مطيرة، اهتزت الأرض خلالها، وربت عشباً يتلالأ تحت الشمس بقطرات الندى.
ما لفتني، وأنا المرتاد اليومي للمكان، الناس؛ فثمة انشراح وابتسام وشيء من الغبطة تكسو الوجوه، فتزيد من انتعاشها، وثمة كرم بالتحية والسلام خلافاً للمعتاد، وأحاديث دافئة بينهم، تلمس أنها تفيض من قلوب تفتحت، تغلب عليها حيوية متدفقة، تضاهي إيقاع خطوهم على مضمار المشي. لا نرى هذه الوجوه إلا حين تتدخل الطبيعة، هذا ما ينقص حياتنا اليومية العادية من أنفاس، كل هذا يحدث تحت تأثير الطقس.. مطر الأمس!
كم هي كبيرة حاجة الإنسان إلى السعادة غير المكلفة، إلى الفرح الملجوم طويلاً في الأعماق بانتظار جرس الانطلاق: قطرة غيث، ضوء شمس وكلمة طيبة. إن الطبيعة حين يؤذن لها بإسعاد الإنسان عبر المطر والشمس والهواء رائحة الأرض، وتغريدات الطيور الملونة، يأتي كرمها مدهشاً.
يبدو أن حالة عذبة كهذه هي ما ينقصنا في عصر السرعة الأقصى، فنحن لسنا بحاجة إلى حياة جديدة، بقدر ما نحن بحاجة إلى صباحات جديدة، سبقها مطر ويجددها. تُرى كم مرة احتجنا إلى فرح بسيط، سعادة مجانية بلا كلفة، هدايا الطقس، احتجنا إلى مطر خفيف، لنتذكر أن الابتسامة مفتاح كل شيء؛ لا تفتح فقط مغاليق القلوب، بل تستجلب السحب الرحيمة لتهدئ النفوس.