المدن، كما البشر، لا تُصنع سمعتها بالضجيج، بل بالثبات. ولا تُبنى بالشعارات، وإنما بالتجربة المتراكمة، وبذلك الإحساس الذي يرافقك وأنت تمشي في شوارعها نهاراً أو ليلاً، من دون أن تفكّر كثيراً في الاتجاه أو التوقيت.
لم تعد سمعة المدن العالمية اليوم مرتبطة بعدد ناطحات السحاب أو الصور المبهرة، بقدر ما أصبحت مرتبطة بجودة الخدمات التي تقدمها، ومستوى الأمان الذي توفره.
ليظل السؤال الجوهري الذي يطرحه المسافر قبل الحجز، والمستثمر قبل اتخاذ القرار، والمقيم قبل الاستقرار: هل أشعر بالأمان هنا؟ وهو سؤال أصبح بمثابة حجر الأساس في تشكيل صورة المدن على الخريطة العالمية.
في هذا السياق، تبرز أبوظبي ودبي كنموذجين لمدن أدركت مبكراً أن السمعة لا تُدار بحملات عابرة، وإنما تُبنى عبر منظومة متكاملة تشمل تشريعات واضحة، وحضوراً أمنياً ذكياً، وبنية تحتية تبعث على الطمأنينة، ومساحات عامة صُمّمت للإنسان ورفع مستوى جودة حياته.
وحين تتصدر مدينتان عربيتان قائمة أكثر المدن أماناً للمسافرين المنفردين في العالم، وفقاً للدراسة السنوية التي يجريها خبراء السفر في شركة «ترافل باج»، فإن الأمر يتجاوز رقماً في تقرير، ليمثل انعكاساً لرؤية قيادتنا الرشيدة التي وضعت الإنسان في صدارة أولوياتها.
وثمرة سنوات من العمل المتراكم، حتى أصبحت السلامة جزءاً من الحياة اليومية، لا إجراءً استثنائياً. فأجواء أبوظبي الهادئة وحضورها المنظّم، يقابله في دبي إيقاع مدينة لا تنام.
ولعل اللافت في هذه النتائج، أنها تأتي في وقت يشهد تنامياً ملحوظاً في السفر الفردي، لا سيما بين جيلي «زد» و«الألفية»، وهي أجيال لا تبحث عن الجمال وحده، بل عن الشعور بالترحيب، وسهولة الحركة.
هنا، تتحول المدن الآمنة من مجرد وجهات إلى مدن مؤثرة، تدرك أن الأمان ليس شرطاً تقنياً وإنما رسالة تفيد بأنه يمكنك أن تكون هنا، وأن تشعر بأنك في مكانك.
مسار:
حضور أبوظبي ودبي لا يُختزل بالمكان، بل بأثر يصنع الثقة ويترك بصمته في الذاكرة.