هذا الكتاب هو أحدث إصدارات البروفيسور زبغنيو بريجنسكي مستشار الأمن القومي الأسبق في البيت الأبيض الأميركي، وهو أيضا أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في كبرى مراكز البحوث والجامعات بالولايات المتحدة.
ويكاد الكتاب يشكل حلقة مستجدة في سلسلة الدراسات التي عكف المفكر الأكاديمي المذكور على إصدارها، عبر ثلاثة عقود أو أكثر، خاصة مع انتهاء الحرب الباردة وتطلّع الولايات المتحدة إلى أن تشغل موقع القطب العالمي الأوحد بعد تصدع وزوال خصمها السوفييتي.
ويسجل للدكتور بريجنسكي في كتبه السابقة أنه تعامل مع مثل هذه الظواهر بكل ما حفّ بها من مشاعر التفاؤل سواء في أوساط الساسة أو المسؤولين أو عامة الناس، بقدر ملحوظ من موضوعية النظرة المنبثقة عن جدل التحليل العلمي وصولا إلى الكتاب الحالي الصادر أخيرا.
وقد وصفه النقاد المحللون ومنهم مثلا متشكو كاكوتاني (نيويورك تايمز، عدد 29/1/2012) بأنه "كتاب يثير الاستفزاز" بمعنى أنه يتفرد في منهجه بتوصيف وتحليل لحظة مفصلية تشهد تحوّل مركز الجاذبية العالمي من الغرب إلى الشرق. وفي هذا الخصوص يتناول مؤلف هذا الكتاب تراجع المكانة التي طالما نعمت بها أميركا، وانحسار دورها العالمي لصالح أقطاب جدد على الساحة الدولية وفي مقدمتهم الصين.
خاصة في ضوء ما رصده الكتاب من تشتت كيان القوة العولمية في ضوء ما طرأ من حالة استضعاف على الاتحاد الأوروبي بوصفه رديفا للقوة الأميركية، وذلك تحت وطأة الأزمات المالية الاقتصادية المتلاحقة، فيما تسعى دول وأقطاب أخرى إلى نيل المكانة الأولى أو جزء منها وهي تضم أقطارا مثل روسيا والصين والهند واليابان.
من المزايا التي يتمتع بها مؤلف الكتاب الذي نعايش سطوره وطروحاته في السياق الحالي، ما يتمثل في قدرة المؤلف، البروفيسور زبغنيو بريجنسكي على متابعة، بل على ملاحقة، تطورات الموقف السياسي بكل ما يطرأ عليه من عوامل ومستجدات.
فضلا عن أن هذه المتابعة التحليلية في الأساس، لا تقتصر على الساحة السياسية الداخلية في بلده الولايات المتحدة الأميركية بقدر ما يتسع منظور البروفيسور بريجنسكي ليشمل سائر مناطق العالم ومن زاوية علاقات التفاعل السلبي والإيجابي بين هذه المناطق وبين أميركا بكل وزنها وبكل مصالحها وأيضا بكل ما أصبح يحّف بها من مشكلات.
ولأن مؤلفنا يجمع، كما هو معروف، بين التكوين والاهتمام الأكاديمي بوصفه أستاذا في العلوم السياسية، وبين خبرته الميدانية المباشرة منذ عمل مستشارا للأمن القومي في البيت الأبيض خلال حقبة الرئيس الأسبق جيمي كارتر، فإن الشهادة التي يدلي بها في سطور كتابنا تتميز بالجمع بين النظرة والخبرة، أو بين الأكاديمية والممارسة في آن معاً.
وفيما تؤدي هذه الحقيقة في شخصية المؤلف وخبرته العملية إلى تطعيم طروحاته الفكرية بقدر لا يخفى من السياسة الواقعية، "ريال بوليتيك" على نحو ما يقولون في الفكر الألماني، فالحاصل أن هذا النهج أيضا هو الذي أفضى، ولا يزال يفضي، بمؤلف كتابنا إلى نظرة أقرب إلى التشاؤم العلمي أو فلنقل أبعد عن الاستسلام للتفاؤل المريح، إزاء التعامل مع ما أصبح يموج به عالمنا المعاصر من قضايا ومشكلات.
في هذا المضمار، يسجل للبروفيسور بريجنسكي أن سبق مع أوائل عقد التسعينات المنصرم إلى التحذير مما رآه من تيارات عارمة كانت وقتها تفور وتضطرم على صعيد أقطار وأجزاء العالم النامي بالذات، وهو ما رآه تحديا في نهاية المطاف لطموح أميركا إلى احتلال مكانة القطب العالمي الأوحد وخاصة بعد سقوط وزوال القطب السوفييتي الذي ظل منافسا وغريما على مدار السنوات الخمس والأربعين التي استغرقتها الحرب الباردة.
ظاهرة التفاؤل المؤقت
ومعروف أيضا أنه مع غروب شمس الكرملين الروسي في تلك الفترة استبدت مشاعر من التفاؤل والبهجة وربما الاعتداد أو الغرور بأركان السياسة الأميركية ولدرجة أن تطلع يومها الرئيس بوش الأب إلى قيام ما وصفه بأنه نظام عالمي جديد يقوده بالطبع القطب الذي رأوه منتصرا وهو أميركا.
وفيما أقيمت وقتها أيضا الأفراح السياسية والليالي الملاح الفكرية والنظرية احتفالا وأحيانا تهليلا لحكاية القوة العالمية رقم واحد، وفي إطارها نشر البروفسور فرانسيس فوكوياما كتابه الشهير بعنوان نهاية التاريخ ثم أعقبه إصدار صمويل هنتنغتون أطروحته الأشهر بعنوان تصادم الحضارات، إلا أن مؤلفنا بريجنسكي اختار أن يغرّد خارج هذا السرب الاحتفالي.
فكان أن أصدر من جانبه كتابا في عام 1993 بعنوان بعيدا عن السيطرة: الاضطراب الكوكبي عشية (حلول) القرن الواحد والعشرين حيث تناول ما ارتآه جوانب الاستضعاف التي اعترت معسكر الغرب (الرأسمالي بقيادة واشنطن) بل .
ومضى إلى حيث التنبؤ (منذ نحو 20 عاما حتى لا ننسى) بأن ثمة قوة عالمية بازغة، وجديرة بأن تحل محل روسيا في التنافس على استلام زمام القيادة على المسرح الدولي، وهذه القوة حددها بريجنسكي بوضوح وهي الصين.
المنظور الديناميكي
ولأن الكاتب المذكور يفضل أن يطل على أحوال عالمنا من منظور التحول الدينامي والصيرورة المتواصلة بدلا من المنظور الستاتيكي الجامد، فقد اختار لواحد من كتبه الصادرة في نهاية التسعينات عنوانا يوحي بمعنى هذه التحولات الدائمة على المسرح العالمي التي عمد بريجنسكي إلى وصفها بأنها أقرب إلى رقعة الشطرنج وهو العنوان الذي اختاره للكتاب المذكور.
خاصة وأن مؤلفنا لا ينظر إلى أثر التطورات السياسية وحدها، بل هو يقرن هذه النظرة مع رصد ذلك التطور المذهل في ميدان وسبل النقل والبث وعلى نحو باتت تكفله ثورة تكنولوجيا المعلومات والاتصال. في ضوء هذا كله، تأتي سطورنا التحليلية لأحدث كتاب أصدره مؤخرا البروفيسور زبغنيو بريجنسكي تحت عنوان بليغ الدلالة وهو: الرؤية الاستراتيجية: أميركا وأزمة القوة العالمية.
تبدأ فصول كتابنا بنظرة مسحية كما قد نسميها يستعرض فيها المؤلف، بأسلوب أقرب إلى الاستقصاء المعرفي، حالة الشؤون العالمية الراهنة حيث يرصد المتغيرات التي استجدّت في السنوات القليلة الماضية على رقعة الشطرنج العولمية إياها ، وخاصة مع نشوب الأزمة المالية الاقتصادية في خريف عام 2008 وما واكبها من عجز الأطراف الأميركية الذي بدأ مع اندلاع الأزمة.
ومن بعدها الأطراف الغرب أوروبية (منطقة اليورو بالذات)، عن معالجة آثار الأزمة ممثلة بالدرجة الأولى في ازدياد معدلات البطالة التي كان لابد وأن ينجم عنها أثر اقتصادي بديهي لا يلبث أن يترجم سلبياته في آثار سياسية اجتماعية تتجلى بدورها في حركات التظاهر والاعتصام والغضب والاحتشاد الجماهيري في أنحاء شتى من العالم الرأسمالي الممتد على جانبي المحيط الأطلسي.
عن الأمة والاستغناء
صحيح أن النظرة الواقعية لا تزال تتعامل مع أميركا على أنها رقم محوري أو عنصر جوهري في المعادلة العالمية الراهنة، وهنا يتفق المؤلف مع ما سبقت إليه وزيرة خارجية واشنطن السابقة مادلين أولبرايت في عنوان كتابها الصادر منذ فترة ليست بالطويلة من وصف أميركا بأنها الدولة الأمة التي لا يمكن الاستغناء عنها إلا أن مؤلفنا لا يلبث أن يفارق هذه النظرة إلى حيث يوضح في سطور الكتاب أن الأمة المذكورة لم تعد لها تلك السطوة.
أو تلك المَنَعة التي تتيح لها أو كانت تتيح لها - أن تمسك بمقاليد الهيمنة على أوضاع العالم أو مصائره. انطلاقا من هذه النظرة، تمضي فصول الكتاب إلى حيث توضح أن أميركا يمكن أن تلعب دورا أساسيا في دفع عجلة الإصلاح والتطور في الغرب، وقد يصل هذا الدور حتى إلى حدود غير مسبوقة ومنها مثلا، كما يوضح بريجنسكي، إسناد دور أكثر فعالية لتركيا أو مساندة مسيرة التحول الديمقراطي في روسيا.
ماذا إذن عن آسيا؟ هنا يختار كتابنا لأميركا مهمة يمكن تلخيصها بإيجاز شديد في العبارة التالية يمكن لأميركا أن تلعب دوراً يجمع بين مهمة التوازن ومهمة التيسير.
والمعنى أنه دور أقرب في تصورنا إلى حَكَم المباراة، أو أقرب إلى حد ما إلى ما ذهب إليه في الماضي هنري كيسنجر وكان قد سبق مؤلفنا بريجنسكي إلى منصب مستشار الأمن القومي بالبيت الرئاسي الأبيض من وصف هذا الدور بأنه دور الكاتاليست أو العنصر الوسيط الحافز على التفاعل الكيميائي بين العناصر الأصلية.
في هذا السياق بالذات يتوقف كتابنا على وجه الخصوص عند مستقبل العلاقات بين أميركا والصين ويمضي في السياق نفسه ليقول ما يلي: لابد وأن يشارك الطرفان في حوار جاد فيما يتعلق بقضايا الأمن الإقليمي (في قارة آسيا) وبمعنى حوار لا يستهدف فقط تخفيف حدة التوترات في علاقات الصين مع أميركا .
ولكن يرمي أيضا إلى التصدي لأي خطأ في الحسابات يمكن أن يفضي إلى مالا تحمد عقباه، وهي حسابات أطراف شتى في الفضاء الآسيوي الحافل بنذر غير متوقعة ما بين الصين واليابان، أو بين الصين والهند ثم بين الصين وروسيا.
عجز القيادة
نلاحظ أيضا أن كتابنا يولي قدرا كبيرا من التركيز على ما يصفه النقاد بأنه خطورة ظاهرة العجز الأميركي عن تولي الدور القيادي في العالم، وهو عجز لا تقتصر أخطاره على شحوب المركز القيادي لواشنطن ولكن يمكن أن تتعدى آثاره السلبية.
وخاصة في غياب ما يصفه المؤلف بأنه تتويج خليفة عالمي فعال إلى مرحلة مطولة من التحالفات والتحيزات غير الحاسمة أو غير المحددة، أو المختلطة أو المشوشة فيما بين القوى الفاعلة إقليميا وكوكبيا على السواء، وحيث لا يخرج من ربقة هذه الأوضاع منتصرون أو فائزون.
فيما يمكن أن يخرج الكثير من الخاسرين أو المُضارين. هنا يكاد المؤلف يوغل في نظرته المتشائمة حين يمضي قائلا: إن أميركا باتت عاجزة أو عازفة عن حماية الدول التي طالما تعودت على التفاعل والتعاطي معها في الماضي.
ولو كان الهدف هو تحقيق الغايات والمصالح القومية بالدرجة الأولى، ومن ثم يمكن - في تصور هذا الكتاب أن يسلم الأمر إلى نوع من الداروينية السياسية، حيث تسود وقد تعنف وتستشري صراعات الدول والنظم والشعوب ويحل محل شعارات ودعوات التوافق والتعايش شعارات أشد عنفا وأنكى خطرا ويلخصها الشعار الدارويني المعروف: البقاء للأصلح.
ثم تأتي ترجمة تعبير الأصلح على أنه الأقوى حيث لا مكان للكيانات أو الدول الأصغر التي يمكن أن تستبد بها الكيانات أو الدول الأعتى وحيث يسوق المؤلف نموذجا على ذلك حين يشير إلى أن مثل هذه الأوضاع الداروينية لن تحول بين بلد كبير وقوي مثل روسيا وبين إملاء مطالبات على قوى ودول وأقطار درجت موسكو على اعتبارها ضمن مناطق النفوذ الروسي، ومنها على سبيل المثال كل من جورجيا أو بيلاروس أو أوكرانيا.
الباحثون عن الطاقة
ويمضي المؤلف في طرح تحذيراته أو في عرض هواجسه، حين يحذر من أن ضعف أميركا بحكم وضعها العالمي، يمكن أن يفضي إلى المزيد من انتشار الأسلحة النووية بكل ما تنطوي عليه من أخطار بالغة الفداحة.
وإن كان يربط بين هذه الهواجس وبين هواجس أخرى يتصور كتابنا أنه سوف يصاب بها أطراف تخشى في المستقبل على أمنها وسلامتها في حال انكماش الدور الأميركي في العالم، أطراف يراها المؤلف من قبيل كوريا الجنوبية أو اليابان أو تركيا أو إسرائيل، وهو يصف هذه الأطراف بأنها إذ تجد نفسها محرومة من المظلة الأميركية فمن شأنها أن تلتمس أمنها لدى ملجأ آخر وهذا الملجأ.
كما يراه المؤلف يعني حيازة أسلحة نووية. وفيما نرّد على مؤلفنا بأن إسرائيل أقدمت على حكاية السلاح النووي (منذ أيام مفاعل ديمونة) قبل أن يصل إلى تحليله الراهن بوقت طويل، إلا أنه يمضي في الإشارة إلى أن الأطراف المذكورة يمكن أن تعمد أيضا إلى اللجوء لقوى مستجدة في مجال الردع (النووي) ومنها مثلا، كما يوضح هذا الكتاب دول مثل روسيا أو الصين أو الهند.
البيئة والمناخ
ثم ها هي النظرة الشاملة التي يطل بها المؤلف على الأحوال الراهنة في عالمنا تقوده بالضرورة إلى واحدة من القضايا التي باتت محورية في اللحظة الراهنة بعد أن ظلت محل تجاهل لوقت طويل من جانب علماء السياسة ومحللي الاستراتيجية.
نتحدث عن قضية البيئة الكوكبية وتغير المناخ. هنا لا يكتفي كتابنا بالتوقف عند المشكلات الكوكبية التي قد تهم كبار العلماء وصفوة الاختصاصيين: أن الكتاب يتوقف مليا عند قضية ذات أبعاد سياسية بقدر ما أن لها أبعادا معيشية واجتماعية.
إنها قضية شح الموارد المائية في العالم. والكتاب يحذّر من مغبتها ويدعو إلى البدء بتدارسها ومحاولة وضع الحلول الناجعة بالنسبة لها، بقدر ما يدعو أيضا إلى صوغ وتفعيل القواعد التي تنظم توزيع موارد الأنهار والبحيرات العذبة على نحو موضوعي وعاجل وبما يكفل تلبية احتياجات الشعوب والدول المشاطئة لتلك الموارد، وبما يحول دون اندلاع المنازعات الإقليمية أو الدولية في هذا الميدان.
وإن الدكتور بريجنسكي ينظر إلى الموارد والمصادر المائية على أنها جزء من المنافع العالمية المشتركة، وهو يدعو إلى عالم تشمّر فيه أميركا عن ساعد المسؤولية في سبيل الدعوة إلى الإدارة الرشيدة لموارد العالم المشتركة ما بين مصادر المياه إلى موارد الطاقة إلى الغذاء إلى البحار والمحيطات وما في حكمها مما تقتضيه حياة شعوب عالمنا ونمائه وتقدمه.
وهو يصف هذه الجهود قائلا: إن التقدم بشأن هذه القضايا ذات الأهمية المحورية بالنسبة لِرفاه البشر، بل إلى بقاء البشر، مجرد بقائهم على ظهر البسيطة، أمر يقتضي بالضرورة اضطلاع أميركا بالذات بمسؤوليات في هذا الخصوص.
وبديهي أن تلبية هذه الاحتياجات الأساسية، بل هي الحيوية للناس، شعوبا وأقطارا ودولا ، هو المقدمة الأساسية، أو هو المهاد الطبيعي والصحي لما يطالب به الساسة من ضرورات التحول الديمقراطي على صعيد هذه الدول والأقطار والشعوب.
وفي حوار تلفزيوني أجرته أخيرا (بتاريخ 24/1/2012) شبكة فيوبوينت الأميركية تطرّق مؤلف هذا الكتاب إلى قضية الديمقراطية موضحا ضرورة أن الديمقراطية لا ينبغي أن تكون غاية في حد ذاتها بل هي بالأحرى وسيلة إلى تحقيق العدل والإنصاف، وهنا يمضي الدكتور زبجنيو بريجنسكي قائلا:
القضية المطروحة اليوم هي ماذا كانت النظم الديمقراطية تستطيع أن تزدهر في ظل أنظمة مالية خارجة عن حدود السيطرة وعاجزة من ثم عن التوصل إلى نتائج عادلة بعيدا عن الاثرة أو الأنانية التي لا تصّب سوى في مصلحة قلة قليلة في المجتمع، ومن هنا فالديمقراطية (الحقة) تقتضي إطارا فعالا يتيح لنا جميعا الشعور بأن لنا هدفا واضحا ومحددا وبحيث يشارك في تحقيقه الجميع.
عدد الصفحات: 208 صفحات
تأليف: زبغنيو بريجنسكي
عرض ومناقشة: محمد الخولي
الناشر: بيسك بوكس، نيويورك، 2011