شكّلت العملية العسكرية الأمريكية النوعية في فنزويلا، مطلع العام الحالي، 2026، التي أسفرت عن اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، ونقله لنيويورك لمحاكمته أمام القضاء الأمريكي، أول ترجمة سريعة ومباشرة لـ«مبدأ مونرو»، الذي تضمّنته الاستراتيجية الأمريكية الجديدة للأمن القومي، التي صدرت في ديسمبر 2025، وهو مبدأ في السياسة الأمريكية نشأ قبل أكثر من قرن، مفاده أن أمريكا اللاتينية ينبغي أن تكون منطقة نفوذ للولايات المتحدة محظورة على القوى الأجنبية، فضلاً عن أحقية الولايات المتحدة في الهيمنة على ثروات أمريكا الجنوبية.
لكن تطبيق ترامب لمبدأ مونرو، كما تضمنته استراتيجيته للأمن القومي الجديدة، لا يخلو بالطبع من بصمة ترامب الخاصة، ورؤيته التي تقوم على مبدأ «أمريكا أولاً»؛ بمعنى وضع مصالح الولايات المتحدة فوق كل اعتبار، ومبدأ «السلام من خلال القوة»، مع العمل على ضمان التفوق العسكري والتكنولوجي والاقتصادي الأمريكي على الخصوم الحلفاء على السواء. وقد أطلق ترامب نفسه على عقيدته الجديدة مسمى «عقيدة دونرو»، وهي كلمة مركّبة تجمع الأحرف الثلاثة الأولى من اسمه الأول «دون» مع الجزء الأخير «رو» من اسم شهرة جيمس مونرو. وقال بفخر: «إن عقيدة مونرو مهمة جداً، لكننا تجاوزناها إلى حد بعيد... في إطار استراتيجيتنا الجديدة للأمن القومي، لن تُمَسَّ بعد الآن السيطرة الأمريكية في النصف الغربي من الكرة الأرضية».
ضمن هذه الرؤية تشكل فنزويلا محطة مهمة لتجسيد عقيدة دونرو.
ومن خلال هذه العملية العسكرية الناجحة، أرسل ترامب رسالة واضحة لكل القوى المعنية بأنه جاد في سعيه لإخضاع منطقة الأمريكتين للنفوذ الأمريكي، وضمان بقاء الموارد الاستراتيجية في النصف الغربي من الكرة الأرضية تحت السيطرة الأمريكية، وعدم السماح للقوى المنافسة، خصوصاً الصين وروسيا، بالسيطرة على هذه الثروات المهمة، ولا سيما النفط والمعادن الحرجة مثل الليثيوم، الكوبالت، والمعادن الأرضية النادرة، الضرورية لصناعات الذكاء الاصطناعي، كما أنه يوجه رسالة لكل الدول الأمريكية بأن الخروج عن الخط الأمريكي العام أو الأهداف الأمريكية ستكون تكلفته عالية.
رسائل التحذير الأمريكية لا تقتصر فقط على الخصوم، بل تشمل الحلفاء أيضاً، ولا سيما الحلفاء الأوروبيين القلقين من تلويح ترامب بالتحرك لضمّ إقليم غرينلاند الدنماركي المتمتع بحكم ذاتي، وكذلك من احتمال وضع ترامب قيوداً على حركة التجارة والاستثمار التي تربط أوروبا بأمريكا الجنوبية والوسطى مقابل السماح للشركات الأمريكية بالوصول إلى موارد هذه القارة والهيمنة على اقتصاداتها.
هناك بلا شك خشية دولية من أن تشكل العملية العسكرية الأمريكية في فنزويلا سابقة خطيرة في العلاقات الدولية، كما أشار لذلك أمين عام الأمم المتحدة، ليس فقط للولايات المتحدة التي قد تلجأ لتكرارها في مواجهة دول أخرى دون أي اعتبار لقواعد القانون الدولي التي تحمي سيادة الدول، ولكن أيضاً القوى الدولية الأخرى مثل الصين وروسيا، فهذه الأخيرة قد تنظر إلى أوكرانيا والدول الأخرى المحيطة بها باعتبارها منطقة نفوذ، ما يعقد الصراع الأوكراني ويتسبب في إشعال صراعات جديدة.
كما قد تلجأ الصين لاتباع سلوك مماثل تجاه تايوان، بل إن بعض القوى الإقليمية قد توظف هذه السابقة الأمريكية الخطيرة في تبرير بعض سلوكياتها التوسعية أو العدوانية تجاه جيرانها.
إن النظام الدولي كله أصبح على المحك مع العودة لإعلاء منهج القوة في العلاقات الدولية على حساب قواعد القانون الدولي، والخوف من أن تقودنا عقيدة دونرو إلى نظام دولي يتسم بطبيعة صراعية وفوضوية تهدد مسار السلام والتنمية غير المكتمل الذي رسمته مبادئ الأمم المتحدة خلال العقود الماضية.